«كورونا» يعيد رسم خريطة الاستهلاك بعد فقاعة «الرواتب» والكماليات

منذ مطلع القرن الحالي، تسارعت وتيرة النزعة الاستهلاكية، كانعكاس طبيعي لعصر التكنولوجيا الرقمية، والطفرة الإنتاجية في السلع والمواد، التي اخترقت كل المجالات، وباتت من أساسيات الحياة، حيث زالت الفوارق بين ما كان يسمى الضروريات والكماليات في المنتجات الاستهلاكية.

وظهرت فئة من المستهلكين، ليس فقط من الطبقة الثرية، بل الوسطى أيضاً، لا تميّز بين الضروري والكمالي، حيث إن تراجع ثقافة الادّخار، وصعود مفهوم «الراتب لمعيشة شهر واحد»، منحت خيارات أوسع للمستهلكين في السنوات العشر الأخيرة، في زيادة الإنفاق بما يفوق طاقة الفرد ومصادر دخله، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الألفية الثانية.

غير أن جائحة «كورونا» فتحت ثغرة في هذا السلوك الاستهلاكي، وأدى مزيج من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، إلى إحياء أولوية السلع الضرورية على الكمالية، وهذا انعكس على خريطة أرباح الشركات في أنحاء العالم، رغم قصر مدة التجربة والإغلاق، فأدى ذلك إلى رجحان كفة شركات منتجة للضروريات، على شركات أخرى متخصصة في إنتاج المواد الكمالية، التي يمكن الاستغناء عنها، ولا تسهم في البقاء والنجاة والصحة.

وشهدت الحدائق المنزلية الصغيرة في أنحاء العالم، تطوراً في طبيعتها، وباتت مزارع صغيرة، عوضاً عن قطعة أرض عشبية مع بضعة أشجار، في انعكاس لخوف ساد خلال فترة الإغلاق من انقطاع المواد الغذائية، واضطراب سلاسل الإمداد في العالم.

الصورة :

وأظهرت البيانات الحديثة عن مؤشرات الاستهلاك، أن هناك فرزاً آخر ضمن السلع والمواد الكمالية نفسها، فبعضها حقق أرباحاً، لأن استهلاكها يتلاءم مع بقاء الناس في المنازل، أما الأخرى المعتمدة على حركة الناس في الخارج، والتنقل، فقد منيت بخسائر كبيرة.

وسلّطت بيانات أمريكية نشرتها مؤسسة «فاكت سيت»، اليوم، الضوء على هذا التحول في الاستهلاك، بسبب عواقب إجراءات العزل في الفصل الثاني من 2020، وجاءت النتائج كارثية على بعضها، في حين نجحت أخرى في تجاوز الأزمة.

ويقول نايت ثوفت المسؤول عن استراتيجية الاستثمارات لدى «مانولايف أسيت مناجمنت»، في تقرير لوكالة فرانس برس، إنه على العكس، فإن القطاعات الرائجة حالياً، كالتكنولوجيا والصحة «ستشهد تراجعاً في أرباحها، لكن بمعدل 10 % فقط أو حتى أقل».

كما تمكنت المجموعات التي نجحت في التأقلم مع الأزمة في تقليص الخسائر. فقد أعلنت شركة «نايكي» أن قفزة مبيعاتها الإلكترونية من مارس حتى مايو بمعدل 75 %، سمح بتعويض قسم من خسائرها جراء إقفال متاجرها.

وتقول شركة «ايرنست» المتخصصة، إن «منصات التجارة الإلكترونية ازدهرت، والمتاجر التي تبيع السلع الضرورية، كأوراق المراحيض والأغذية، سجلت أرباحاً كبرى، كما تحسنت مبيعات الأدوات المنزلية والألعاب». وتضيف: «في المقابل، تضررت قطاعات أخرى غير ضرورية، كالمطاعم والملابس والمتاجر الكبرى، في حين توقفت مجالات الترفيه والسفر كلياً عن العمل».

طباعة Email