لا يبدو العالم آمناً من تفجر صراع أمريكي صيني يرسم حدود العالم الجديد على أنقاض القديم. فالاتهامات المتبادلة بين الطرفين باتت حدثاً يومياً لوسائل الإعلام، وتفرض نفسها كموضوع محوري في العلاقات الدولية. على أنه ما زال هذا التنافس على مركز الهيمنة العالمية خارج العديد من محاولات تحليل العلاقات الدولية والأزمات المشتعلة، لذلك يعد إغفال أهمية البعد الأمريكي الصيني في رسم صورة المشهد العالمي برمّته، في أي تحليل، انزلاقاً إلى العالم القديم حيث المعادلات التحليلية الكبرى تستند إلى قوى رئيسية في وجه أمريكا، تكون فيه روسيا هي في صدارة المحور المناهض للولايات المتحدة.

في هذا الإطار، يقول الكاتب والمحلل الأمريكي ألان كروفورد في تقرير نشرته وكالة بلومبرع للأنباء إنه في منتصف عام هيمنت عليه جائحة كورونا، تواجه الحكومات أزمة صحية، وأزمة اقتصادية وأزمة شرعية مؤسساتية، كل ذلك في وقت يشهد تنافساً سياسياً جغرافياً. وسوف تساعد كيفية تبلور كل تلك التحولات الضخمة خلال الشهور المتبقية من العام كثيراً في تحديد عصر ما بعد الفيروس. فالصين باعتبارها قوة في حالة تصاعد سريع، أصبحت أكثر قوة وتنافساً مع الدول ابتداءً من كندا حتى استراليا. والولايات المتحدة، القوة العظمى التي ما زالت على قمة الطاولة منذ مؤتمر بوتسدام عام 1945، أصبحت منغلقة على نفسها بصورة متزايدة مع تغلغل الفيروس في قلب سكانها واقتصادها قبل الانتخابات الرئاسية.

قد لا يكون بالإمكان العثور على تصريح سياسي بخصوص الفكرة التالية، لكن المؤشرات من الطرفين تقود إلى ذلك، وهي أن الولايات المتحدة تبدو كمن يبحث عن معركة فاصلة لرسم حدود للصعود الصيني، مرة واحدة وإلى الأبد. فيما تنحو الصين إلى السير في أسلوب القوة الناعمة وتفادي المواجهة المباشرة، إلى أن تصل مبلغاً لا تكون فيه المساعي الأمريكية إعادتها إلى الخلف، قابلة للتنفيذ.

اللاعبون الوسط

بالنسبة إلى روري ميدكاف، رئيس كلية الأمن القومي بالجامعة الوطنية الأسترالية، الذي صرّح لوكالة الأنباء الألمانية، فإن التنافس الاستراتيجي في المنطقة، لا تتمثل القضية الرئيسية الآن فقط في كيفية مواجهة الولايات المتحدة لتحدي صعود الصين، ولكن تتمثل فيما إذا كان «اللاعبون الأوسط» بما في ذلك الهند، واستراليا، واليابان وأوروبا، على استعداد للمجازفة بالدفاع عن النظام الدولي - والتعاون معاً للقيام بذلك.

في الآونة الأخيرة، شددت أوروبا من مواقفها تجاه الصين بعد انتقادات أمريكية عن تساهل أوروبي في هذا الشأن. لكن لعبة الصين بالصعود إلى القمة على شكل عملية تسلل حضارية نحو الأعلى تصطدم بعوائق تجبرها على الانكشاف وخوض المعركة علانية، فهي في خلاف مع أستراليا حول أصول فيروس كورونا، ومع كندا بشأن احتجاز الرئيس التنفيذي لشركة هواوي تكنولوجيز مينج وانزاو، ومع الهند بشأن حدود متنازع عليها. وتتجه اليابان والاتحاد الأوروبي إلى أن يصبحا أقل اعتماداً على الصين نتيجة لمشكلات في سلسلة الإمداد كشفها تفشي كورونا. وحتى من دون هذه الخلافات، تعمل الصين على تسريع وتيرة حضورها العسكري المهيمن في جوارها البري والبحري، في ظل قناعتها بأن الولايات المتحدة فقدت قيادتها في منطقة آسيا البحرية.

إجراءات متبادلة

ولمواجهة هذه القناعة الصينية بالتراجع الأمريكي، تعتزم إدارة ترامب إصدار إعلان الأسبوع المقبل يتعلق بتصاعد التوترات في بحر الصين الجنوبي. والجمعة، حين سئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول المرحلة الثانية من الاتفاق التجاري مع الصين، أجاب: «لا أفكر بذلك في الوقت الراهن.. صراحة لدي أمور أخرى كثيرة تدور في رأسي».

وفي تصعيد آخر، أعلنت الصين أنها سترد على الولايات المتحدة، غداة فرضها عقوبات على مسؤولين صينيين كبار متهمين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضد أقلية الأويغور المسلمة في منطقة شينجيانغ.

كما انضمت الصين الاثنين إلى معاهدة تجارة الأسلحة العالمية التي ترفضها الولايات المتحدة، لتوجه انتقاداً لإدارة ترامب باتهامها بالبلطجة والأحادية وتقويض الجهود المبذولة للتصدي للتحديات العالمية.

التعايش السلمي

تدرك الصين القلق والارتباك الأمريكيين في هذا الظرف الحرج عالمياً. وفي هذا السياق، حذر وزير الخارجية الصيني وانغ يي من عودة «ارتياب على الطريقة المكارثية» في الولايات المتحدة، في إشارة إلى السيناتور جوزيف مكارثي الذي قاد حملة ملاحقة للشيوعيين في الولايات المتحدة خلال خمسينيات القرن الماضي.

في النهاية، ما تريده الصين عبر عنه وانغ يي، في مؤتمر صحافي، الجمعة: «لا يجب على الصين والولايات المتحدة السعي لتغيير بعضهما، بل بالأحرى البحث معاً عن وسائل تعايش سلمي بين نظامين مختلفين».

ويقول ميدكاف رئيس كلية الأمن القومي بالجامعة الوطنية الأسترالية، عن مجمل التطورات، إنه «مهما يحدث الآن، فنحن على حافة نوع ما من العاصفة التي تستجمع قواها... فقط نحن لا نعرف ماذا ستكون عليه العاصفة أو كيف سوف تهب».