في أغسطس 2019، حين انسحبت الولايات المتحدة رسمياً من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى التي كانت قد أبرمتها مع روسيا، كانت دوائر القرار الأمريكية تعيد تموضع استراتيجياتها بشكل يتناسب مع «العالم الجديد».
فالعالم القديم الذي تنتمي إليه المعاهدات النووية مع روسيا، يعود في جذوره إلى نظرة للعالم بمفاهيم الحرب الباردة، حيث كانت هناك قوتان رئيسيتان في العالم، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
لكن إذا استمرت واشنطن بالسير وراء هذا التعريف للعالم، فإن القوة العظمى الناشئة الممثلة بالصين تهدد بقلب الطاولة على واشنطن، على مستوى عالمي.
ضمن هذا الإطار يمكن وضع الانسحاب الأمريكي من معاهدة الحد من الأسلحة متوسطة المدى العام الماضي، وطلبها أمس، بإلحاح، انضمام الصين إلى معاهدة «نيو ستارت» التي وقعها كل من الرئيسيين السابقين، باراك أوباما وديمتري مدفيديف، في أبريل 2010 في براغ.
وتنص على تخفيض الحدود القصوى للرؤوس الحربية الهجومية الاستراتيجية للبلدين بنسبة 30 في المئة، والحدود القصوى لآليات الإطلاق الاستراتيجية بنسبة 50 في المئة بالمقارنة مع المعاهدات السابقة.
وبعبارة أخرى، تنص «نيو ستارت» على إبقاء ترسانتي البلدين دون ما كانتا عليه إبان الحرب الباردة، بحيث لا يتجاوز عدد القاذفات النووية الاستراتيجية 700 وعدد الرؤوس النووية 1550.
وعبّر المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون السيطرة على الأسلحة مارشال بيلينجسلي، اليوم الثلاثاء، عن أسفه لغياب الوفد الصيني عن اجتماع فيينا، حول معاهدة «نيو ستارت»، ناشراً عبر تويتر صورة لطاولة المفاوضات مع مقاعد فارغة تعلوها أعلام صينية، الأمر الذي أثار استياء بكين.
وتعد أوروبا هي الساحة التقليدية للصواريخ المستهدفة في المعاهدات المبرمة مع روسيا.
فمعاهدة الحد من الصواريخ متوسطة المدى، وهي غير «نيو ستارت» تحظر على الجانبين وضع صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى تطلق من البر في أوروبا ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر، مما يقلل من قدرتهما على توجيه ضربات نووية مباغتة.
وشيئاً فشيئاً، توسّع واشنطن نظرتها الاستراتيجية لمحور الأمن العالمي، بعد أن كانت القارة الأوروبية محور هذه الاستراتيجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وباتت الآن تتطلع لتوسيع القيود على قوة جديدة، هي الصين، عبر ضمها للمعاهدات الاستراتيجية الثنائية بين واشنطن وموسكو.
إلا أن روسيا لا توافق على الصيغة الأمريكية الجديدة بتوسيع المعاهدة من ثنائية إلى ثلاثية، واعتبرت الثلاثاء أن الإصرار الأمريكي على إشراك الصين في مفاوضات الحد من التسلح هو «غير واقعي».
لكن من شأن بقاء الصين خارج المعاهدة أن تشكل عذراً للولايات المتحدة الانسحاب من هذه المعاهدة أيضاً، مما سيعني تآكل النظام العالمي القائم على تلك المعاهدات القديمة التي تقيّد قدرات البلدين مقابل إطلاق يد الصين في تطوير ترسانتها النووية والتقليدية.
