مع تحول منحى الاحتجاجات المناهضة للعنصرية في أنحاء العالم نحو البعد التاريخي للشخصيات التي ساهمت في العبودية، باتت النصب التذكارية لعدد من الشخصيات في الساحات العامة ببريطانيا، هدفاً للمحتجين، حيث إن بريطانيا بتاريخها الاستعماري العريق يعد بلداً يضم بين صفحات تاريخه أكبر عدد من الأشخاص المثيرين للجدل وفق المنظار الحقوقي السائد اليوم.

سارعت كلية أوريل العريقة بجامعة أكسفورد إلى تغطية تمثال، سيسيل رودوس، أمام مدخلها الرئيسي، بسياج رقيق، في محاولة لثني المحتجين الساعين إلى إسقاط التمثال. ورودوس سياسي بريطاني عرف بشهرة واسعة في الحقبة الفيكتورية كرئيس للوزراء في جنوب أفريقيا، وتوفي عام 1902. جنى ثروة من المناجم وتشغيل العبيد، وكان من مؤسسي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. لكن يبدو أن الحساب قد اقترب منه أخيراً بعد مرور نحو 118 عاماً على وفاته. وحاول عمدة لندن، صادق خان، النأي بنفسه عن الشخصيات المثيرة للجدل، بل إنه أبدى تفهماً لإزالة الشخصيات التي لها تاريخ مثير للجدل في الحقبة الاستعمارية.
وفي ويست إنديا شرق لندن، أسقط محتجون تمثالاً يعود لروبرت ميليغان. كان روبرت ميليغان أحد كبار تجار العبيد ومالك السفينة الاسكتلندي البارز، وكان القوة الدافعة وراء بناء أحواض الهند الغربية في لندن. بعد أن نشأ في مزارع السكر الخاصة بأسرته الثرية في جامايكا، غادر ميليغان جامايكا في عام 1779 ليؤسس نفسه في لندن، ويعيش في هامبستيد لفترة حيث توفي في عام 1809.
إلا أن التنكيل الأكبر كان من نصيب تمثال إدوارد كولستون، الذي جنى ثروة خلال القرن السابع عشر من الاتجار بعبيد من غرب أفريقيا، حيث قام محتجون بإلقاء التمثال في الماء في ميناء بريستول يوم الأحد.
ويثير الموقف من التاريخ الانقسام على المستوى الرسمي أيضاً. فعلى خلاف موقف عمدة لندن، وصف المتحدث باسم رئيس الوزراء بوريس جونسون إسقاط التمثال بأنه فعل إجرامي.
لكن المؤرخة كيت وليامز كتبت على تويتر وفق ما أرودته وكالة رويترز، «لمن يقولون إن على السلطات رفع التماثيل بعد نقاشات. نعم. لكن هذا لا يحدث». وتضيف «يدور جدل في بريستول بشأن إدوارد كولستون منذ سنوات دون الوصول إلى نتيجة».

لا تزال العديد من الشوارع والمباني في المدينة على اسم كولستون، كما لا تزال قاعدة التمثال تحمل الكلمات الأصلية التي نُقشت عليها في عام 1895 والتي تصفه بأنه شخص «شريف وحكيم».
وحتى ونستون تشرشل، بطل بريطانيا في زمن الحرب، بات محل تمحيص جديد، فقد تم رش تمثال له في ساحة البرلمان في لندن يوم الأحد بكلمات برسوم الجرافيتي تقول «تشرشل كان عنصرياً». وعبر تشرشل عن آراء عنصرية وأخرى مناهضة للسامية، ويتهمه منتقدوه بحرمان الهند من المواد الغذائية خلال مجاعة في عام 1943 راح ضحيتها أكثر من مليوني شخص.
مع اتساع حركة الاحتجاجات ضد العنصرية في أنحاء العالم، وتوسع قائمة أهدافها وبرنامج عملها، يبدو أن مسار هذه الحركة يتجه نحو إعادة كتابة التاريخ من جديد، وتنقية صفحات المناهج الدراسية والبحثية من روايات تمجيد تجار الرقيق وأشباههم، وهو أمر يشكل معضلة للرواية الرسمية البريطانية.
