العالم الشهير الذي روج لعلاج مشكوك بأمره

كان العالم الفرنسي، ديدييه راؤول، نجماً في مجال العلم، قبل أن تسبب مزاعمه، بالتوصل إلى علاج يحقق الشفاء التام لمرضى "كوفيد19"، صدمة للعلماء، وهو علاج "هيدروكسي كلوركين" الذي هلل له الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتباره "العلاج المعجزة" لكوفيد-19، ولكن وبالمقابل حذرت  منظمة الصحة العالمية أخيراً من إساءة استخدامه الأمر الذي قد يفضي حتى للوفاة، خصوصاً أن لا يوجد حالياَ دواء معتمد بشكل رسمي لعلاج "كورونا" المستجد.

يُعرف عن العالم ديدييه أنه قد حقق مهنة رائعة في حياته عبر تحدي التقاليد العلمية الراسخة، وتنقل عنه صحيفة " نيويورك تايمز" قوله في إحدى المرات: "لا شيء أحبه أكثر من تفجير نظرية راسخة بشكل جيد"، وقد تكون بتلك الروحية روج لدواء الملاريا هيدروكسي كلوركوين والمضاد الحيوي ازيثرومايسين، معلناً "نعرف كيف نعالج مرض كوفيد-19".

لكن راؤول الذي يتولى إدارة مدير معهد المستشفى الجامعي للأمراض المعدية في مرسيليا، كان عالماً مبدعاً، ينظر إلى حيث لا يهتم الآخرين ويعتمد أساليب لا يستخدمها غيره.

وقد ساعد في السنوات العشر الماضية، في تحديد ما يقرب من 500 نوع جديد من البكتيريا التي يحملها الإنسان، وحتى وقت قريب، كان معروفاً بانه مكتشف أول فيروس عملاق، مما خوله الفوز بجائزة "انسرم" الكبرى.

قال لـ "نيويورك تايمز": "الغطرسة هي من الاشياء الأكثر شيوعاً في العالم" ومرض خطير بشكل خاص لدى الأطباء الذين وجهات نظرهم يتم شحنها بمسؤولية الحياة والموت".  

كانت نتائج دراسته في 16 مارس مبنية على عدد قليل من المرضى، وقد أثارت الكثير من الجدل وانتقدها العلماء ومسؤولو الصحة، وقد اقترح أحد السياسيين أن عليه التوقف عن القول: "أنا عبقري في كل مكان".

الرجل البالغ 68 عاماً، صاحب البنية القوية والملامح الدقيقة، والشارب الابيض والشعر الطويل حتى الكتفين، يرتدي في خنصره الايمن جمجمة فضية، هي من ميمات الانترنت الى تم تصويره فيها، كساحر. وهو يظهر باستمرار بمعطفه الأبيض وقيل إنه قال للصحافي الفرنسي هرفي فودوا، إنه يلبس بهذه الطريقة: "لأن ذلك يغيظهم".

في الأسابيع منذ تفشي فيروس سارس-كوف 2، أفادت " نيويورك تايمز" ان سلوكه المزدري بالآراء المسموعة في بلاده والتي يمثلها وجهاء باريس أدى إلى وقوع شريحة كبيرة من الفرنسيين في حبه، وهو لديه نصف مليون متابع على تويتر.

ووفقا لأحد المسوحات، أصبح راؤول بنهاية مارس، أحد "الشخصيات السياسية" الأكثر شعبيه بفرنسا بجاذبية خاصة للمتطرفين الشعبويين.

وقد بيعت شموع تحمل صوره في مارسيليا وأطلقت كتيبة من شاحنات القمامة للبلدية خارج مستشفاه أبواقها في تكريم صاخب وغاضب وله، وتم تعليق لافتة طولها مائة قدم قرب مدخل معهده كتب عليها "مارسيليا والعالم وراء البرفسور راؤول!".

الرجل لا يزال يؤكد أن الدواء سوف يبرئه في النهاية، فأدوية هيدروكسي كلوركوين وازيثرومايسن، مدرجان على القائمة النموذجية للأدوية الأساسية لمنظمة الصحة العالمية، ويعرف العالم تلك الادوية جيداً، منذ بداية مهنته، كان يختبر إعادة استخدام أدوية تمت الموافقة عليها ضد مرض معين على أمراض أخرى، وتمت الموافقة على مئات من الجزيئات للاستخدام البشري من قبل إدارة الغذاء والدواء.

كان قد أمضى العقد الأول من حياته في داكار بالسنغال، حيث كان والده يعمل طبيباً في الجيش، وكان يتناول الكلوركين ضد الملاريا طوال الوقت عندما كان طفلا.

في التسعينات اختبر تأثير هيدروكسي كلوركين على "حمى كيو"، التي تسببها بكتيريا تتكاثر داخل خلايا مضيفها، مثل الفيروسات. ولاحقا على مرض "ويبل"، ويعتبر مزيج الدواءين الآن علاجاً قياسيا لكل من المرضين. وبعد اندلاع سارس في عام 2002، وجد الباحثون أن الكلوركين أبطأ تكاثر فيروس السارس التاجي في الخلايا مزروعة.

وجاء الآن تفشي الفيروس التاجي المستجد، فأفاد فريق صيني أنه كان للدواء في أكثر من 100 مريض نشاط قوي ضد كوفيد-19، فابتهج راؤول. وباشر باختباراته على بعض المرضى، لكنه في غضون ذلك استعجل في نشر مقطع فيديو على "يوتيوب"، تحت عنوان " فيروس كورونا اللعبة انتهت!".  

كان قد أمضى حياته في مارسيليا وسمى أنواع من البكتيريا على اسمها وأسماء أحيائها، وكتب أول بحث له عام 1979 عن عدوى منقولة بالقراد تعرف أحيانا باسم حمى مرسيليا. فإخذها استاذه ونشرها، فعلق راؤول: "تعلمت أن الناس الذي يرغبون في السير في درب مماثل على استعداد للغش في سبيل ذلك".

وهو يعرف بإعجابه بالفيلسوف "نيشته"، وقد وصفه أحد التقنيين في مختبره: "يحب أن يعرف أن الأمور تدور حوله"، مفجراً العواصف، لكن الجميع يهز له براسه، فالرجل راسخ في منصبه.

وعلى مدى عقود، كان يتفاخر بأن اسمه يجلس على عدة آلاف من الأوراق البحثية، لكن الرجل الذي يشتهر بأنه يعمل دون كلل، يرفق اسمه أيضاً على كل ورقة تخرج من معهده، وفقاً لما يقال. وافيد أن معظم رؤساء الاقسام في المعهد عملوا تحت رئاسته طوال حياتهم المهنية، بعضهم لأكثر من 30 عاما.

وكان طول حياته مشككاً بالنماذج الرياضيات في مجال علم الأوبئة، ورافضاً إطلاق التحذيرات، وقد نشر كتابه الأخير بعنوان "اوبئة: المخاطر الحقيقية والإخطارات الكاذبة" في أواخر مارس 2020، فيما كان معدل الإصابات قد تجاوز 330 الفاً.

كانت اختباراته الأخيرة على 36 مريضا مصاباً بـ كوفيد-19 من المقرر ان تستمر لأسبوعين، لكن في اليوم السادس جاءت النتائج ايجابية فقرر أن ينهي الاختبار وينشر النتائج، وقد اعتقد ربما أن واجبه علاج مرضاه بما يتجاوز أي رغبة في انتاج بيانات موثوقة.

وهو يعتقد انه من غير الضروري عدا أنه غير اخلاقي اجراء اختبارات عشوائية محكمة " ار سي تي"، لعلاج أمراض معدية مميتة، ويؤكد انه إذا اصبحت تلك المعيار المقبول في البحوث الطبية، فذلك لأن العلماء يناشدون الإحصائيين "علماء المنهجية" الذين لم يشاهدوا مريضاً واحداً في حياتهم.

ابتكر راؤول 10 علاجات وأكثر في حياته، ونصفها توصف في أنحاء العالم، حسب قوله، لكن الشائعات تدور بأن معهده وأبحاثه كانت تتراجع في الآونة الأخيرة.

قال إنه لم يتوقع أن تطلق ورقته الأخيرة مثل هذا الجنون، وهو خفف من حدة توقعاتها، قائلاً: "ترصد مرضاً، وهناك دواء رخيص أمن معروف لأن هناك ملياري شخص يتناولونه، قد لا يكون المنتج المعجزة، لكنه أفضل من لا شيء، أليس كذلك؟".

طباعة Email
تعليقات

تعليقات