«كورونا» قد يختفي .. لكن هل تنجو عاداتنا من تأثيراته؟

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

بأمر من فيروس «كورونا»، بات ملايين الأشخاص حول العالم حبيسي المنازل منذ فترات متباينة معروفة بداياتها لكن ليست معروفة نهاياتها. الجميع يحاول التكيف مع الظروف الجديدة الناتجة عن قيود الحجر المنزلي.

وحتى حين تتاح فسحة من الوقت للخروج في إطار تخفيف القيود جزئياً في بعض الدول، لا يتصرف الناس كما كانوا يفعلون قبل الجائحة، بل يحافظون على التباعد ويرتدون الكمّامات ويحملون المعقّمات في جيوبهم أو في حقائبهم، وحين يقابلون الأعزاء لا يصافحونهم، بل يحيونهم بالإشارة والإيماءة والكلام، باستثناء بعض الحالات المستهترة، وغالباً تدفع الثمن.

ويتساءل كثيرون، وربما الجميع: هل ستعود العادات والسلوكيات بعد انتهاء الوباء كما كانت قبله؟.

ثمّة ما يشبه الإجماع لدى الخبراء والمختصين بأن الكثير من السلوكيات ستتغير حكماً، بل إن بعض العادات التي كانت سائدة، قد تختفي من التداول، سيما إذا لم يختف الفيروس تماماً وظل يطل برأسه بين الفينة والأخرى. ويرى مختصون أن بعض المجالات التي أدخلها «كورونا» عنوة إلى حياتنا قد تبقى دائمة أو – في اقل الأحوال - سترافقنا لبعض الوقت في المستقبل.

العمل من المنزل

هناك وظائف ومهن لا يمكن القيام بها في المنزل أو من المنزل. فالمزارعون وعمال الإنشاءات والصيانة والتنظيف، مضطرون للخروج من منازلهم للقيام بهذه الأعمال.

لكن الذين يمارسون بعض المهن والوظائف كالأعمال الحكومية والإعلام والتعليم والتجارة والإدارة والحسابات، أصبح المنزل الآن مكتبهم الجديد، كما أن الطلبة الذين يدرسون «عن بُعد» باتت غرفهم هي صفوفهم الدراسية.

القيام بنشاط ما من المنزل ليس فكرة جديدة، بل تحدّث عنها كثيرون كأمر ممكن القيام به في ظل تطور أدوات الاتصال بالصوت والصورة وعلى نطاق يتيح المشاركة الواسعة.

لكن، بعض الأفكار لا تجد طريقها إلى التنفيذ ما لم تفرضها ظروف معينة، وربما قاهرة، ولا سيما حين يكون الحديث يتعلق بأنشطة محكومة بقوة العادة.

كثير من الدول في العالم بات يضع الخطط لمواصلة هذه النشاطات العملية والتعليمية «عن بُعد»، حتى بعد عودة الحياة الطبيعية.

وفي هذا السياق، ترى خبيرة السلوك التنظيمي في جامعة بوند الأسترالية، أن فيروس «كورونا»، «يمكن أن يكون نقطة التحول التي تجعل من العمل عن بُعد هو القاعدة».

اللقاءات الاجتماعية

حتى بعد التطور العاصف في الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات، ظلّت اللقاءات الاجتماعية من ثوابت حياة البشر، وإن على نحو متفاوت.

في زمن «كورونا»، استبدلت اللقاءات الاجتماعية بـ«التباعد الاجتماعي»، وبات ما لم يكن يخطر ببال أمراً واقعاً. من كان يتوقّع أن يصبح اللقاء بين الأبناء والآباء والأحفاد ممنوعاً حتى داخل البيت الواحد؟.

عندما أصبح لقاء من نحب سبباً في الأذى لهم، وجدنا أنفسنا أمام خيارين أحلاهما مر، بل إن الخيار الآخر قد يكون قاتلاً.

بليك مورغان المحلل المختص بالاتجاهات والتيارات الجديدة يرى أنها «لن تكون الحياة طبيعية حقاً لسنوات عدة قادمة».

ويضيف «سيتذكر الناس في جميع أنحاء العالم أنهم قبل أيام قليلة كانوا يخافون من جراثيم جيرانهم». وقد تكون المواعدة والعلاقات العاطفية من بين أكثر القطاعات في حياتنا تأثراً بانتشار الفيروس والحظر والعزلة المرافقين له. ويضيف «سيفكر الناس مرتين قبل أن يضعوا أنفسهم في احتكاك عن قرب مع الآخرين»، كما نقل عنه قناة «بي بي سي بالعربية».

ويشير مورغان إلى أنَّ تغيّراً كبيراً سيحصل على تطبيقات المواعدة الإلكترونيَّة، إذْ ستطول مدّة التعارف الافتراضيَّة لتؤجل اللقاء الواقعي، خوفاً من انتشار الفيروس. في حين حذر علماء الاجتماع من أن جائحة «كورونا» قد تؤدي إلى نهاية المعانقة والمصافحة لسنوات قادمة. ويقول خبراء إنه يمكن استبدال المصافحة الطويلة الأمد بإيماءة.

الترفيه

الترفيه الذي كان من المظاهر الطبيعية، بات ضحيّة للحجر المنزلي وطوى صفحته طول البقاء في المنزل. وليس واضحاً كيف سيصبح الترفيه بعد انتهاء الوباء أو تقهقره، وهل من طرق جديدة نعتمدها من أجل الترويح عن أنفسنا في قادم الشهور أو السنوات؟.

في كل الأحوال لن يبقى الناس حبيسي المنازل، حتى لو لم ينته «كورونا» تماماً. لكن شكل الترفيه سيختلف بالتأكيد، ومن المؤكد أن الازدحام في الحدائق العامة والملاهي سيصبح من الماضي، وسيرتفع الحرص على الأبناء إلى مستويات غير مسبوقة. وفي حال لم يتلاشى الفيروس بشكل تام، ستستمر ظاهرة الفحوصات الحرارية وتعقيم الحدائق والملاهي، لكنها قد تكون على نحو آلي أكثر وبشري أقل.

المحلل المختص بالاتجاهات والتيارات الجديدة، بليك مورغان يقول: في إيطاليا وإسبانيا، على سبيل المثال، ارتفع عدد مرات تنزيل تطبيق (نيتفليكس) لأول مرة بنسبة 57 في المئة و34 في المئة على التوالي، لأن الناس، حسب مورغان «يتوقون إلى الترفيه، والهرب من الواقع أكثر من أي وقت مضى».

النظافة والتعقيم

من أهم الظواهر التي نتجت عن «كورونا» المواظبة على النظافة والتعقيم الشخصي وكذا المسكن والمقتنيات الشخصية والعائلية. صحيح أن الكثيرين كانوا مهتمين بالنظافة، لكن «كورونا» رفع هذا الاهتمام إلى أقصى درجاته، بل بلغ لدى البعض مستوى الوسواس، وأضاف إلى النظافة آلية التعقيم.

ومن المرجّح أن تستمر المخاوف بشأن الحفاظ على الأسطح المطهرة، إلى سلوك التنظيف القهري وارتفاع الإقبال على المطهّرات. كما أن ظاهرة غسل الأيدي كثيراً قد تستمر معنا فترة طويلة.

يقول روبرت دينغوال، أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة نوتنغهام ترينت: «أعتقد أنه من المرجح أن نغسل أيدينا بحذر أكثر لفترة طويلة قادمة. لا أعتقد أن التباعد الجسدي سيستمر، على الرغم من أنه كان يتزايد بالفعل، وإذا استمرت عمليات الإغلاق لمدة أقل من 6 أشهر، فقد تؤدي التغييرات طويلة المدى إلى زيادة وسواس النظافة، وهو ليس أمراً سيئاً».

وإذا استمرت الاحتياطات للتعامل مع الوباء لفترة أطول من ذلك، فقد تكون النتائج لا رجعة فيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات