لم تختر فرونيك بلاتمان، المسنة الفرنسية المقيمة في إحدى دور المسنين بمارسيليا، ظروفها الراهنة من معاناة تقدم العمر التي ضاعفها تفشي فيروس كورونا، فلم يجعل أمامها من خيار سوى القتال لإنقاذ نفسها ومن حولها من مسنين.
لقد ألفت بلاتمان نفسها و288 مسنة أخرى محاصرين في الدار، بعد هرب جل الموظّفين تاركين المسنات لمواجهة مصيرهن، فيما أمسكت بلاتمان وفي ظل هذا الظرف الاستثنائي بدفة القيادة لتنجح وخلال أكثر من شهرين في هزيمة الفيروس داخل الدار وإنقاذ نفسها وزميلاتها من براثنه.
تقول فرونيك بلاتمان «67 عاماً»: «كثر الحديث عن خطر فيروس كورونا على المسنين أكثر من غيرهم، وأنّ هذا الفيروس الفتّاك قادم إلينا، كنا في هذا الوقت نعيش بشكل طبيعي، ولكن مع تزايد الأخبار حول الفيروس هرب جل الموظفين والمشرفين من الدار باستثناء مشرفتين ونائب المدير، تسلّل الذعر في تلك الأثناء إلى قلوبنا، لقد خفت في البداية ولكني ما لبثت أن استجمعت رباطة جأشي وقلت لزميلاتي أن يهدئن، وتوليت قيادة المعركة».
وتشير بلاتمان إلى أنّها بدأت بتوعية زميلاتها عبر التحدث لهن بصرامة من أنّ الموت خلف الباب وأن لا سبيل للخروج أو الدخول، مضيفة: «بدأت مع المشرفتين ونائب مدير الدار، العمل على توفير مخزون كافٍ من السلع، ذهبنا لمراكز التسوق وأحضرنا احتياجاتنا الضرورية، وعندما عدنا جمعت صديقاتي في الدار، وقلت لهن ستتوزع الأدوار علينا، وبالفعل بدأنا معركتنا، كان أهم ما فيها منع دخول أو خروج أحد من الدار نهائياً باستثناء الطوارئ، وتحت اشتراطات وقائية قاسية».
تستجمع بلاتمان أفكارها وتستمر في سرد ملحمتها ضد فيروس كورونا بقولها: «كان ضرورياً أن أغلق التلفاز والراديو لعدم إثارة الرعب والتأثير في نفسية زميلاتي نتيجة الأخبار المخيفة التي كانت تذاع يومياً، اشتريت كتباً، وحولت جهاز التلفاز إلى شاشة عرض أفلام، ونظمت الوقت للنوم وللطعام وللمناقشات، ما خلق حالة إيجابية بيننا، كنت أوازن بين الحسم وتخويفهن من الفيروس، وبين طمأنتهن بأننا سننتصر، ساعدني في معركتي أن أغلبهن سمعن من قبل عن أوبئة انتشرت في أوروبا من والديهن أو جدودهن، مثل الطاعون والملاريا والإنفلونزا الإسبانية، وحتى إنفلونزا الطيور والخنازير، قلت لهن كل هذا سيمر، وحتى الآن نحن بخير، لا إصابات ولا وفيات، بل وجدنا في هذه المحنة فرصة للتلاقي وقتاً أكثر، والتقارب بشكل غير مسبوق رغم أننا نقيم مع بعضنا البعض منذ سنوات طويلة».
