«أزمة كورونا أكبر اختبار للاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه»، هذا ما أكدته المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل قبل بضعة أيام، في الوقت الذي أكد رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو شانسيز، أن الجائحة قد تتسبب في انهيار الاتحاد، ما لم يتم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة.. فأي مصير ينتظر التكتل الأبرز حول العالم، على خلفية جائحة كورونا وهو التكتل الذي واجه تحديات صعبة، ولكنه الآن أمام أصعبها على الإطلاق؟

«كورونا» جاء كاشفاً عن ضعف بنية التضامن والتكاتف بين دول الاتحاد، وهو ما أكده في وقت سابق سفير إيطاليا لدى الاتحاد، ماوريتسو ماساري، وعديد من قادة الدول الأوروبية، بعد أن شعر الأوروبيون بخيبة أمل في النموذج الأبرز الذي ظهرت مدى هشاشته بشكل لافت، وانشغلت فيه بلدانه - كل على حدة - بأزمتها الداخلية.

المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات، هاني سليمان، يرى أن «أزمة كورونا ستكون لها تأثيرات كبيرة في الدول الأوروبية عامة، باعتبار أنها من أكثر الدول من حيث عدد الإصابات والوفيات؛ لأسباب عديدة ومنها تأخر التعاطي بجدية مع الأزمة في البداية، إضافة إلى التركيبة السكانية (بالإشارة لارتفاع نسبة كبار السن في المجتمعات الأوروبية)، مشيراً إلى أن الأزمة سيكون لها تأثير في فكرة الاتحاد نفسه أيضاً، وذلك على أساس أن الاتحاد كان بالأساس يتعرض لهزّات كبيرة وتحديات مختلفة، وآخرها أزمة بريكست.

الهزة الكبرى

وتعد أزمة «كورونا» الهزّة الأكبر، في ظل تعاطي الاتحاد مع الجائحة وما نتج عنه من «سقوط الرابطة المعنوية والحسية لدى مواطني الاتحاد، في ظل تقاعس الاتحاد عن القيام بالتزاماته إزاء بعض الدول التي عانت بشكل كبير، وأهمها إسبانيا وإيطاليا، حتى إن بعض المواطنين في إيطاليا أنزلوا علم الاتحاد الأوروبي، في إشارة لعودة اعتبارات الدولة القومية»، طبقاً لسليمان.

ولكنه يشير في الوقت ذاته، لدى حديثه مع «البيان» من القاهرة، إلى أن «الاتحاد واجه أكثر من اختبار في السابق، وظل صامداً أمام مثل هذه التحديات، ولم يكن أحد يتخيل أن يأتي التهديد من الداخل هذه المرة وليس من الخارج».

ولعل الاتحاد الأوروبي أدرك أخيراً حجم التحدّيات التي تلف مصيره، وشرع في محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتحرك بإقرار وزراء مالية الاتحاد حزمة إنقاذ مالية للدول الأوروبية الأكثر تضرراً، بقيمة 500 مليار يورو، وهو القرار الذي وصفه وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، بأنه «أهم خطة اقتصادية في تاريخ الاتحاد الأوربي».. فهل تُعالج مواطن الضعف، وتمحو آثار جائحة كورونا لتنقذ الاتحاد من مصائر غامضة؟

فرصة أخرى

في تقدير سليمان، فإن «مثل هذه الإجراءات تعطي فرصة مرة أخرى للاتحاد، وتعزّز واجهة التضامن الأوروبي.. لقد حاولت ألمانيا معالجة الأمر، ولا سيما أن هذه الأزمة عالمية وطالت بشكل خطير عدداً كبيراً من الدول الأوروبية، وبالتالي كانت كل دولة منشغلة بمواجهة هذا الوباء منفردة، وكانت ثمة حالة ارتباك شديد نظراً لتزايد حالات الإصابة والوفاة».

وشدد أن «ألمانيا من جانبها تحاول ترميم الاتحاد وسد فرص الخروج»، مردفاً: «أتوقع أن يكون هناك صمود لبعض الوقت للاتحاد بعد كورونا، ولكن ستشكل الأزمة نقطة تصدع كبيرة».

وقال المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات، هاني سليمان، إنه «ليست مبالغة الحديث عن عالم ما بعد كورونا، على الصعيد الأوروبي، وستفرض ملفات الأمن البيئي وقضايا المناخ والفقر والمرض وغيرها نفسها بقوة، وسيكون هناك اهتمام أكبر بتلك القضايا، إضافة إلى قضايا الأمن القومي».