من المؤكد أن عالم ما بعد كورونا سوف يكون مختلفاً تماماً عما كان قبله، سواء لناحية طبيعة العلاقات الدولية وحتى النظام الدولي ككل، أو لجهة المتغيّرات الداخلية المختلفة على مستوى الدول، لاسيما تلك التي تقف على حافة الفشل في إدارة الأزمة، ما يفتح باب المحاسبات السياسية العاصفة للسياسيين والسلطات التنفيذية في تلك البلدان، وينذر بمتغيرات مفصلية في القيادة السياسية بتلك الدول.

وعلى النقيض، وكما أن هناك عديداً من الخاسرين (على المستوى السياسي)، فثمة رابحون من الأزمة التي رفعت أسهمهم، بعد أن قدّموا نموذجاً إيجابياً في إدارة الأزمة، ما يعزّز مواقفهم ووضعيتهم ليس داخلياً فحسب، بل على الصعيد الدولي أيضاً.

وعلى حجم الجائحة تكون النتائج، ذلك أن الذعر الذي يثيره فيروس كورونا حول العالم، ومع تزايد عدد المصابين به يومياً وكذا عدد الوفيات، يُسهم في ذعر مماثل بالنسبة لأنظمة وحكومات، وضعتها الأزمة على المحك. والقائمة تطول لتشمل دولاً كبرى مرشحة إلى أن تشهد تغيّرات سياسية مفصلية بعد انتهاء الجائحة في وقت لاحق.

مساءلات

وفي هذا السياق، يقول مساعد وزير خارجية مصر الأسبق، حسين هريدي، إنه «بعد أن ينحصر الوباء، في كل الدول التي تضررت منه بشكل كبير (وبخاصة إيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والصين) ستكون هناك حتماً مساءلات سياسية وشعبية كبيرة، حتى أنه في بعض البلدان هناك اتجاه الآن لتحريك دعاوى قضائية ضد الأجهزة التنفيذية».

وأضاف الدبلوماسي المصري لـ«البيان» من القاهرة، قائلاً: «لا مفر من المساءلة.. سياسيون وقادة سوف يدفعون الثمن في أقرب انتخابات قادمة بعد أن ينحصر الفيروس».

ويأتي اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في صدارة هؤلاء الذين وضعتهم جائحة كورونا أمام سيناريوهات معقدة - على الصعيد الداخلي بشكل خاص - و«قد يقول التاريخ إن فيروس كورونا حال دون انتخاب ترامب لولاية ثانية» على حد تعبير هريدي، والذي شدّد على أنه من ناحية أخرى «هناك حكومات ستفوز.. هي تلك الأنظمة التي نجحت في احتواء الوباء بأكبر قدر ممكن.. وهذه الأنظمة سوف تحظى بتأييد أكبر». ذلك في خطٍ متوازٍ مع تأثيرات أخرى على النظام الدولي ككل، والأوزان النسبية لمختلف القوى حول العالم، بحسب هريدي الذي لفت إلى أن «الفائز الأكبر في هذا السياق الصين».

تغيير عميق

وإلى جانب التداعيات السياسية على الأنظمة والحكومات المختلفة، تلعب التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا دوراً كبيراً في تعزيز تلك الآثار والدفع نحو متغيرات أكثر عمقاً، سواء على المستويات الداخلية أو على مستوى المجتمع الدولي بصفة عامة. يقول عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، رخا أحمد حسن لـ«البيان» من القاهرة، إن «الآثار الاقتصادية ستكون أكبر من السياسية، وستكون لتلك الآثار تداعياتها السياسية والاجتماعية، لاسيما أن اقتصادات العديد من الدول المتضررة من كورونا كانت تواجه مشاكل قبل الوباء، وجاء كورونا ليضاعف تلك المشكلات.. تلك الظروف الاقتصادية الصعبة جعلت التعاون بين دول الاتحاد الأوربي على سبيل المثال، ليست على مستوى التوقعات».

وسياسياً، توقع رخا صعوداً أكبر للتيار اليميني الشعبوي ذات الاتجاه القومي في أوروبا، لاسيما في فرنسا وإيطاليا، وأن يحصل على مقاعد أكبر؛ ذلك أنه من المتوقع ازدياد النزعة القومية في أوروبا بعد السيطرة على كورونا".