تقارير « البيان »

هل تتعزز العولمة أم تنتصر أصوات الشعبويين؟

جائحة «كورونا» واحد من الأحداث «الفاصلة والكاشفة» في آن؛ فهي من ناحية تفصل بين عالمين؛ عالم ما قبل «كورونا» بتقاطعاته وتداخلاته وتشعباته، وعالم ما بعد «كورونا» المملوء بالمتغيرات والتحولات المتوقعة على الصعد كافة، لا سيما في ما يخص السياسة الدولية والنظام الاقتصادي العالمي، ومن ناحية أخرى تكشف عن هشاشة النظام العالمي، وعجزه أمام مراعاة قضايا الصحة والسلامة والوعي البيئي.

صحيح أنه من المبكر الحديث عن «عالم ما بعد كورونا»، بينما الجائحة ذاتها لا تزال تراوح مكانها بعد، ولا يزال الغموض يلف مصير هذه العدوى التي هزّت العالم بأسره، كما لا يزال موعد تلاشيها غير معلوم، ولا يخرج عن التوقعات الحذرة المشكوك فيها، إلا أن المؤشرات كافة تؤكد حتمية المراجعة الجذرية للنظام العالمي القائم بشكله الحالي.

الإجراءات المُتخذة من جانب الدول، بما فيها غلق الحدود، أعادت إلى الواجهة صورة هيكلة العالم بمفهومه القديم في عصر ما قبل العولمة الحديثة، وسط تساؤلات عن مدى تأثير الجائحة في تقسيم العالم إلى جزر مترامية الأطراف، أو أن تُعيد النظام العالمي لما قبل الحرب العالمية الثانية؟

هل يمكن أن تعيد تلك الأزمة «الصحية بالأساس» هيكلة العالم إلى ذلك المفهوم البدائي (نفسي ومن بعدي الطوفان)، من خلال التوسع في فرض القيود على حركة الأشخاص والبضائع والتجارة العالمية؟ أم أن الجائحة سوف تسفر عن عالم أكثر ارتباطاً ووعياً وتماسكاً في ضوء المعاناة المشتركة، التي تتطلب تضافراً أكثر من أي وقت مضى؟

عوامل كثيرة

«من المبكر الوصول لاستنتاجات، على اعتبار أن عوامل كثيرة تتوقف على المدى الزمني الخاص بالجائحة، فشهور قليلة تختلف عن عام أو عامين أو أكثر، ومن المبكر الحديث عمّا إن كانت الأزمة الراهنة سوف تدفع بإنشاء روابط اجتماعية أو تحييها، أم العكس في اتجاه الفردية المطلقة».

هذا ما يؤكده لـ«البيان» أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية، ورئيس وحدة الدراسات الأوروبية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، د.توفيق اكليمندوس، الذي يرى أن «الوضع العالمي مقلق جداً، على أساس أن هناك مئات الملايين من الناس يتنقلون من دولة لأخرى، وليس من السهولة بمكان تغيير ذلك النمط إلا بإيجاد آلية لتنظيم العمل والتواصل من خلال ثورة الاتصالات».

يشكك اكليمندوس في إمكانية «إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي، أو اعتماد اقتصاد قائم على تقليل التفاعل بين الناس»، مشدداً على أن مسألة تغيير النظام الاقتصادي العالمي في يوم وليلة أو حتى سنة أو ثلاث أمر صعب، ومن الضروري أن يكون هناك دافع قوي، إذ استمر الوباء لعام، بينما إن انتهى خلال شهور الصيف فسوف يتم اللجوء إلى التفكير أساساً في معالجة الآثار الاقتصادية دون إيلاء الاهتمام الكافي بالقضايا التي طرحها كورونا».

تلك النظرة المتشائمة لمدى إمكانية التعويل على حدوث تغيّرات جذرية تعالج القضايا الأساسية الصعبة التي يطرحها «كورونا» الكاشف لنقاط ضعف النظام العالمي، يعزوها أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية، إلى «مؤشرات غير مشجّعة بخصوص إمكانية تغيير بنية الاقتصادات المحلية والعالمية، وكذا مؤشرات غير مشجعة فيما يخص إمكانية نجاح الدول في نشر الوعي الصحي وتغيير الثقافة».

وفي مقابل ما تكشفه الجائحة من عوامل الهشاشة المؤثرة في النظام المعولم الحديث، فإن بعض المراقبين يتبنون الرأي المناهض لفكرة حدوث تغيّرات جذرية تنسف ذلك النظام، ويعتقدون بأن «كورونا» الذي وضع العالم بأسره على قدرٍ واحدة تغلي بحالة من الذعر المشترك، من شأنه أن يسهم في تعديل النظرة للنظام العالمي، لا لجهة نسفه بل لجهة تعزيزه وتقويته أمام الدعوات الشعبوية والقومية لسياسات أكثر انغلاقاً.

تكتلات إقليمية

أصحاب ذلك الرأي يعتقدون بأن تيار العولمة من المتوقع أن يقوى، على أساس أن «الكارثة أكدت أن التواصل الإنساني صار أكبر من أن تحدّه حدود أو تكتلات إقليمية»، وفق تعبير الكاتب السوري، د. رياض نعسان آغا، والذي يقول لـ«البيان»، إن «كورونا غزا الكوكب كله، وعلاجه استنفر كل الطاقات، وأعتقد أنه نبه العالم إلى ضرورة مزيد من التكاتف لمواجهة تحديات محتملة مشابهة، ولا يمكن أن ينجو كيان أو تكتل بمفرده، وربما تقل المواجهات لصالح التعاون في تقدم البحث العلمي».

ويلفت آغا، إلى «أنه لم يعد ممكناً التراجع عن العولمة بسبب تنامي ثورتي الاتصال والمعلوماتية، والسوشيال ميديا العالمية»، متوقعاً انهيار «النظم الدنيا ودول الديكتاتوريات المتبقية في العالم»، وسيعلو شأن المنظمات الدولية العابرة للحدود، مع تغير النظام التعليمي ونظم الاقتصاد، وزيادة الاهتمام بالاحتياطي العام وبالقطاع الصحي في العالم كله.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات