مثلت جائحة فيروس «كورونا»، صدمة لسكان الكرة الأرضية، انتشرت سريعاً، وحصدت الأرواح دون مقدمات، وباء مستحدث لم يعاينه أحد من الأجيال المعاصرة من قبل، لكن هناك من عايشوا أحداثاً مشابهة قبل أكثر من قرن من الزمان، ونقلوه إلى أحفادهم، ظلت هذه الكارثة حكايات تتردد ليل نهار.

لونا فيكتور، الفرنسية المسنة، لم تصدمها الجائحة، بل مثلت لها تجسيداً لحكايات جدتها، فيكي، السيدة الإسبانية التي ولدت عام 1910، وعايشت جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، والتي أصابت أكثر من 500 مليون شخص خلال أيام.

حكايات تقول عنها لونا، كانت تتزاحم في ذاكرة جدتي، ومطبوعة في سلوكياتها حتى وفاتها عام 1990، كانت تعاني من «وسواس النظافة والتطهير»، حتى أمي، كاثرين جونز، أثرت فيها حكايات جدتي – والدتها- وكانت مثلها، تهتم بالنظافة والتعقيم والتطهير، رغم مرور قرن من الزمان على الحدث، الذي لم يفارق ذاكرة جدتي، ما زلنا نعيشه، ورأيته في أواخر حياتي، كأن القدر أراد أن يؤكد لي صدق جدتي، وأنها على حق في ما كنت أراه «وسواس»، وأحياناً «هوس» النظافة، والخوف من المجهول.

تقول لونا فيكتور (61 عاماً)، مديرة بنك سابقة، جدتي فيكي كانت إسبانية، تعرف إليها جدي أثناء زيارته لمدريد وتزوجها، وعاشت معه في باريس، ولدت عام 1910 م، وعندما بلغت الثامنة من عمرها، اجتاحت الإنفلونزا البلاد، سميت فيما بعد «الإنفلونزا الإسبانية»، وأصابت أكثر من 500 مليون شخص خلال أقل من شهر، قتلت منهم حوالي 50 مليون شخص في أوروبا كلها، غالبية المتوفين كانوا من كبار السن.

لم تنسَ جدتي هذه الجائحة وما تبعها من أزمات، وعندما تزوجت جدي كانت مصابة بالوسواس، تخاف الإنفلونزا بشكل كان يضحكنا نحن أحفادها، كانت أمي مثلها، تهتم بشكل مبالغ فيه بالنظافة والتطهير والتعقيم، وعدم المخالطة والسلام باليد، كانت جدتي، التي توفيت عام 1990، لا تمل من تكرار حكايات جائحة الإنفلونزا الإسبانية، كانت تحذرنا، كنا نظنها تبالغ، الإنفلونزا بالنسبة للأوروبيون مرض عادي، كيف يمكن أن يكون وباء، كانت أمي تنهرنا عندما نسخر، وتؤكد لنا حكايات جدتي عن «الوباء العظيم»، كما كانت تسميه حتى وفاتها عام 2004.

وأضافت، جدتي حكت لي أن هذه الجائحة انتهت، لكنها طبعت على سلوك الشعب الإسباني والأوروبي عادات جديدة، كانوا يخشون الاختلاط المباشر، ظلوا يخشون السلام باليد لفترة، الاقتصاد تبدل، وحركة الأسواق تغيرت، وسلوك العمال تحول، الحكومة ذاتها تغير تعاملها مع الأزمات، قطاع الصحة والتعليم والبحث العلمي، بات الأهم بالنسبة لإسبانيا وأوروبا، كان ما تقوله جدتي، وأمي من بعدها، بالنسبة لي ولإخوتي خيال، حكايات أسطورية قديمة تفوح منها رائحة المبالغة.

واليوم، بعد أن شاهدت جائحة «كورونا»، طفت جميع حكايات جدتي على سطح الذاكرة، متزاحمة ومتدافعة، تخبرني بما يجب علىّ فعله في هذه الجائحة، الوقاية والعزل وغسل اليدين والتطهير والتعقيم، وعدم المخالطة المباشرة، كل هذا قالته لي جدتي قبل نصف قرن، الأيام أكدت لي أن جدتي كانت على حق، لم تكن مصابة بالوسواس أو الهوس، جدتي كانت على حق، وكأن القدر أراد أن يرد اعتبارها أمامي وأمام إخوتي، قبل أن نترك هذا العالم.