بعد عقود من العزلة.. قبرص التركية تتمرد على أردوغان

منذ الغزو التركي لقبرص واحتلالها القطاع الشمالي من الجزيرة عام 1974، يعيش القبارصة الأتراك في عزلة دولية خانقة بسبب هيمنة أنقرة على القرار السياسي وعدم قدرة القبارصة الأتراك على انتهاج سياسة توافضية مستقلة مع الشطر القبرصي المعترف به دولياً، إلا أن بوادر تحول بدأت تظهر منذ انتخاب مصطفى أكينجي رئيساً لـ«جمهورية قبرص الشمالية» عام 2015 الذي يحاول منذ ذلك الوقت رسم ملامح سياسة جديدة تتحرر من هيمنة الدولة التركية، وهو يعكس بذلك مشاعر متنامية في الشطر الشمالي من الجزيرة من أن مصدر الأزمة يكمن في هيمنة أنقرة على القرار السياسي للقبارصة الأتراك.

أكينجي (67 عاماً) السياسي المخضرم شغل سابقاً منصب رئيس بلدية قبرص الشمالية، هو أحد أكبر الداعمين للمصالحة مع الحكومة القبرصية اليونانية. وحاز أكينجي على 60.5% من الأصوات ليفوز على «الرئيس» المنتهية ولايته درويش أروغلو في الدورة الثانية من الانتخابات. ويعمل أكينجي على إحداث تحول متدرج في وجهة السياسة على الجزيرة، والمهمة الأولى له هو التخلص من إرث التبعية الذي كرّسه الزعيم التاريخي للقبارصة الأتراك، رؤوف دنكتاش، الذي تولى إدارة الجزء التركي من الجزيرة من عام 1983 حتى 2005. وضمن هذا المسعى، سجّل أكينجي موقفين صادمين لأنقرة: الأول تزامن مع العدوان التركي على شمال سوريا تحت عنوان «نبع السلام» عام 2019، ووصفها بـ«نبع الدماء». كما أشار إلى عملية الغزو التركي للجزيرة القبرصية عام 1974 أنها كانت «حرباً وسفكاً للدماء».

والأسبوع الماضي، أعرب الزعيم القبرصي التركي عن خشيته من الاعتماد المتزايد على أنقرة الذي قد يؤدي إلى ضم شمال جزيرة قبرص إلى تركيا، معتبراً أن ذلك سيكون أمراً فظيعاً. وفي مقابلة نشرت الخميس في صحيفة الغارديان البريطانية قال أكينجي إن توحيد الجزيرة يبقى الحل الوحيد القابل للحياة في قبرص.

وحذر من أنه في حال إخفاق هذا الأمر سيزداد اعتماد الشمال على أنقرة، وقد ينتهي الأمر بهذه المنطقة كمقاطعة تركية بحكم الأمر الواقع، واصفاً هذا الاحتمال بأنه فظيع. واستذكر أكينجي الخديعة التركية حين قامت بضم لواء الإسكندرون السوري، عام 1939، وقامت بذلك تحت غطاء تأسيس دولة مستقلة محايدة بين سوريا وتركيا، إلا أن تركيا سرعان ما قامت بضمّها إلى حدودها. وأوضح أكينجي هذه النقطة بالقول: «أرفض أن أكون تيفور سوكمان ثانياً»، في إشارة إلى أول وآخر رئيس لجمهورية أعلنت في مقاطعة هاتاي (لواء إسكندرون). وفي تصريحات أخرى، حذر أكينجي من أن تواجه جمهورية قبرص الشمالية مصير شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا.

ويعقّد موقف القبارصة الأتراك، من الأزمة التي تواجهها الحكومة التركية في شرق المتوسط. فالمياه التي تقوم بالتنقيب فيها تتبع جزيرة قبرص، وتتذرع تركيا بأن للجزء الشمالي من الجزيرة الحق في استثمارها.

وتصاعدت ميول القبارصة الأتراك لقبول إعادة توحيد الجزيرة، خصوصاً بعد الاعتماد التركي المتزايد على التشكيلات الإرهابية لتحقيق أهداف سياسية. وانتقد أكينجي في مناسبات عديدة دعم أنقرة للتوجهات الدينية المتشددة على الجزيرة. ويكمن الخلاف الأساسي بين قبرص التركية وأنقرة في أن «جمهورية قبرص الشمالية» تأسست على مبادئ الدولة العلمانية، وهي أقرب فكرياً لحزب الشعب الجمهوري، كما أنها لا تسعى إلى تحويل الأزمة على الجزيرة إلى مسألة دينية بين المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس، على عكس رغبة أنقرة التي باتت في السنوات الأخيرة أحد أبرز مثيري الانقسام الديني في المنطقة.

 

كلمات دالة:
  • قبرص التركية،
  • أردوغان،
  • أكينجي،
  • سوريا،
  • أنقرة،
  • العزلة
طباعة Email
تعليقات

تعليقات