سيرة الحروب مليئة بالقصص البطولية، حكايات تمتزج فيها المآسي والآلام والفخر والوفاء، مشاعر متراصة متجاورة تُشكل بنيان الحكاية، وترسم لوحة التاريخ، وفي يوم 24 أغسطس من كل عام تتناثر حكايات الأبطال الإسبان في شوارع باريس، خاصة هؤلاء الـ146 جمهورياً منفياً الذين فروا من الدكتاتور الإسباني فرانكو إلى باريس عام 1939، فاحتضنهم الفرنسيون وقدموا إليهم الرعاية، إلى أن سقطت فرنسا في يد القوات النازية، هب المنفيون الإسبان جنباً إلى جنب مع الفرنسيين لتحرير باريس، مقدمين ملحمة بطولية خلدتها الجمهورية الخامسة في تاريخها، وتقيم من أجلهم احتفالية سنوية عنوانها «شكراً لوفائكم.. نقدر تضحياتكم».
جيش المنفيين والمعتقلين
يقول بول واتو تولوز، أستاذ التاريخ بجامعة «باريس1» لـ«البيان» إنه مع اندلاع الحرب الأهلية في إسبانيا إبان عهد الدكتاتور فرانثيسكو فرانكو، عام 1936، فر أكثر من نصف مليون شخص من المعارضين الجمهوريين والقوميين الإسبان بصحبة أسرهم وأطفالهم، واستقروا في باريس التي قدمت لبعضهم الرعاية الكاملة واحتضنتهم في حين تعرض نسبة كبيرة منهم للاعتقال في معسكرات حدودية.
وعندما سقطت فرنسا في قبضة القوات النازية إبان الحرب العالمية الثانية، هب 146 جمهورياً إسبانياً - المنفيون في باريس- لقيادة الفرقة التاسعة لفوج المشاة، ومعهم آلاف الإسبان المقيمين في فرنسا، ليقدموا ملحمة بطولية رائعة، بدأت فصولها بفتح معسكرات الاعتقال التي كانت تقيمها فرنسا لحجز المهاجرين غير المرغوب فيهم القادمين من دول إفريقيا ومن أوروبا أيضا، وأقنعوا هؤلاء المعتقلين بالقتال ضد الألمان، وبالفعل تكون جيش قوي من المهاجرين الإسبان والأفارقة.
بطولة خالدة وعرفان
ويضيف تولوز، في الفترة من 19 حتى 25 أغسطس، قامت الفرقة التاسعة مشاة - المنفيون والمهاجرون- بخلق ثغرة خلف خطوط الهجوم الألمانية داخل باريس، ما مكن قوات الحلفاء في حملة نورماندي بمحاصرة الجيش الألماني، وفي 24 أغسطس تلقت قوات المقاومة الداخلية الفرنسية دعما من جيش التحرير الفرنسي الحر.
ومن قطاع المشاة الرابع بالولايات المتحدة في اليوم التالي، تطورت الثورة إلى حرب مدن تفتح النيران على الألمان وقناصة الميليس باستخدام السواتر والبنادق الآلية والدبابات، حتى الاستسلام الألماني في 25 أغسطس، ومنذ ذلك التاريخ أعلنت فرنسا ندمها على اضطهاد المهاجرين الذين تم اعتقالهم.
وردّت الاعتبار لهم بمنح ذويهم الجنسية الفرنسية، وتخليد ذكرى الـ146 إسباني الذين كان لهم الفضل الرئيس في تحرير فرنسا، عرفاناً وتقديراً يتجدد سنوياً في الفترة من 19 إلى 24 أغسطس من كل عام، ذكرى ملحمة تحرير باريس التي قضوا فيها جميعاً ودفنوا في فرنسا التي قاتلوا من أجلها.
