تحت غطاء الأيديولوجيا الإخوانية

أردوغان وحلم الانفراد بليبيا

صورة

يندفع النظام التركي بكل إمكاناته لدعم الميليشيات الخارجة عن القانون، والجماعات الإرهابية في غربي ليبيا، انطلاقاً من معطيين أيديولوجيين، الأول سياسي إخواني مرتبط بالتحالف مع قوى الإسلام السياسي بمختلف تفرعاتها، والثاني ثقافي عرقي، يتصل بالأقليات ذات الجذور التركية، والموجودة خاصة في مدينة مصراتة، وهي التي تسيطر حالياً على القرار السياسي والمالي والاقتصادي في طرابلس، هذا بالإضافة إلى الجانب المصلحي البراغماتي، الذي ينظر إلى ليبيا كدولة ذات إمكانات مالية واقتصادية مهمة، وكبوابة إلى أفريقيا من خلال جغرافيتها الشاسعة المفتوحة على الصحراء الكبرى، والواصلة بين المشرق والمغرب العربيين، وذات الساحل الممتد على مسافة ألفي كلم بالضفة الجنوبية للمتوسط.

يرى المراقبون أن الإصرار التركي على التدخل في الشأن الليبي، يعود إلى تلك المعطيات وغيرها، مشيرين إلى أن الدوافع العقائدية، وإن كانت مؤثرة، إلا أنها تبقى الأساس الذي ترتكز عليه المصالح الاقتصادية، والحسابات الجيوسياسية، لنظام لا يخفي طموحه إلى التوسع في منطقة شمال أفريقيا، وفق مخطط إمبراطوري، يجعل من التطرف والأقليات العرقية «حصان طروادة» لتحقيق أهدافه.

وفي هذا السياق، أوضح وزير الخارجية بالحكومة الليبية المؤقتة، عبد الهادي الحويج، لـ «البيان»، أن النظام التركي يعتمد الأيديولوجيا المرتبطة بالإرهاب لخدمة أهدافه التوسعية، حيث يعد الداعم الرئيس للميليشيات المسلحة المسيطرة على مفاصل الحكم في طرابلس، ليهيمن من خلالها على القرار السياسي والاقتصادي والمالي، وحتى الثقافي، وكذلك ليضمن حماية أتباعه من قياديي التطرف، المتورطين في الانقلاب على نتائج انتخابات 2014، وفي نهب ثروات الشعب الليبي، وفي تخطيط وتنفيذ جرائم ضد المدن والقرى والقبائل، وضد المدنيين في كل أرجاء ليبيا تقريباً.

وتابع الحويج أن الميليشيات المسلحة، تمثل بالنسبة لأردوغان القوة التي يعتمد عليها في خدمة مشروعه في ليبيا، وخاصة في محاولة تعطيل إعادة بناء الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، والتوصل إلى الحل السياسي والمصالحة الوطنية الشاملة، حيث إن النظام التركي يستفيد من استمرار حالة الفوضى، طالما أن إنتاج النفط متواصل، ووارداته تصل بانتظام إلى حكومة يمتلك مفاتيح التحكم فيها عبر جماعة الإخوان، وكذلك عبر أمراء الحرب الموالين له، ويخشى الوصول إلى الحل النهائي، الذي قد لا يجد فيه حلفاؤه المكانة التي يبحثون عنها، نظراً لفقدانهم شرعية الشارع الليبي، ونظراً لأن استتباب الأمن والاستقرار، قد يجعلهم محل ملاحقة قضائية، بسبب جرائمهم المرتكبة في حق ليبيا، الدولة والشعب والمقدرات.

وأوضح عضو البرلمان الليبي، سعد أمغيب، أن تركيا تلعب على وتر الإخوان، لوضع يدها على ليبيا، وكذلك على وتر من يعتبرون أنفسهم من أصول تركية، وخاصة في مدينة مصراتة، وبذلك باتت تعادي كل من لا ينتمى إلى هاتين الفئتين، السياسية والثقافية، وهي اليوم لا تعترف بالأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الليبي، التي يتكون منها الجيش الوطني، وترى أنه بتهميش تلك الأغلبية، تستطيع أن تهيمن على السلطة والمقدرات في ليبيا.

وتتهم القبائل الليبية، تركيا، بالتدخل السافر في شؤون بلادها، وتستعيد تاريخ مقاومة الليبيين للاحتلال العثماني، والمذابح التي تعرضوا لها، ومنها مذبحة قبيلة الجوازي بالمنطقة الشرقية في عام 1816، وقتل فيها أكثر من عشرة آلاف فرد من قبيلة واحدة، وفي هذا السياق، يشير الباحث الليبي معاوية الصويعي، لـ «البيان»، أن الأتراك الذين احتلوا ليبيا وراء إفراغها من سكانها الأصليين، وهو ما يفسر وجود أكثر من 40 مليون نسمة من جذور ليبية في دول الجوار، حيث تم تهجير القبائل الليبية، سواء إلى مصر أو تونس أو السودان أو النيجر أو تشاد أو الجزائر أو غيرها، في ظل الحكم العثماني، الذي نراه يحاول اليوم التسلل من جديد إلى البلاد، حاملاً معه مشاريع الاحتلال والاستغلال، عبر أدواته الأيديولوجية، سواء سياسية إخوانية أو ثقافية عرقية، بزعم العودة إلى الجذور التاريخية، أو بالدمج بينهما.

وتعتبر مصراتة قاعدة أساسية لتركيا في ليبيا، حيث يقول الأتراك إن لهم أقلية عرقية فيها، وهو ما أكده القيادي الإخواني علي الصلابي، عندما أشار إلى أن أنه اتصل بأردوغان في بداية أحداث فبراير 2011، ليطلب منه التخلي عن حالة التذبذب في المواقف، ودعم تمرد مصراتة، كونها تضم سكاناً من أصول تركية، وهو ما دفع بالرئيس التركي إلى الانضمام إلى الحلف المناهض لنظام القذافي، وإصدار أوامره إلى رئيس أركانه بالتدخل لحماية مدينة مصراتة، كأنها مدينة تركية، وفي نفس اليوم بدأ التدخل العسكري التركي في ليبيا، وتم قصف 30 دبابة تابعة لقوات النظام السابق في مصراتة.

ووفق الصلابي، فإن أردوغان فوجئ بوجود أقلية من أصول تركية في ليبيا، وهي قبيلة الكرادغلة أو الكوردغلية، التي تعود إلى بدايات الاحتلال العثماني للبلاد، ورغم أن القبيلة التي لا يتجاوز عدده أفرادها 5 في المئة من سكان المدينة، وتعربت بالكامل، إلا أن الإسلام السياسي استفاد من جذورها الثقافية في إحياء حماسة الأتراك إلى استرجاع التاريخ الاستعماري، خصوصاً أن أغلب أفرادها، ورغم قلة عددهم، من الفاعلين سياسياً ومالياً واقتصادياً، ويسيطرون منذ الإطاحة بالنظام السابق على مفاصل الحكم في العاصمة، بعد أن كانوا يحظون بمكانة خاصة في عهد القذافي.

أوامر لتأسيس حجز الزاوية للمشروع الإخواني

في سبتمبر 2011، زار أردوغان مدينة مصراتة، بعد زيارته طرابلس، والتقى بقياداتها، وخرج إلى الشوارع ليقدم نفسه على أنه الوصي على المدينة، وأصدر توجيهاته إلى حكومته، بالتنسيق التام مع السلطات المحلية للمدينة في مختلف المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والصحية وغيرها، إلى جانب التعاون الثقافي والتعليمي، الذي يمثّل حجر الزاوية لنشر المشروع الإخواني.

وفي أكتوبر 2014، أعلن المبعوث الخاص للرئيس التركي إلى ليبيا، أمر الله إيشلر، أن الخطوط الجوية التركية، ستسيّر رحلات يومية إلى مدينة مصراتة الليبية، وهو ما زاد من مستويات التأثير التركي في المدينة، عبر منظومة النقل المغلق، التي يشير مراقبون إلى أنها تخفي الكثير من عناصر الدعم المباشر لمصراتة، بمليشياتها المسلحة والمافيات الاقتصادية والمالية التي تنطلق منها في تهريب ثروة الليبيين إلى بلاد السلطان العثماني.

ولا يخفي المهتمون بالشأن الليبي، أن تركيا كانت مركز عبور بين مصراتة والأراضي السورية لنقل السلاح والأفراد من المنتمين إلى جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة، والذين ساهموا بدور فاعل في الحرب ضد الحكومة السورية، من خلال الجماعات المسلحة ذات الأسماء المتعددة، كجيش الأمة، الذي شكله الليبي مهدي الحاراتي، وجبهة النصرة، وصولاً إلى تنظيم داعش الإرهابي.

ميليشيات مصراتة أكبر داعم للإسلام السياسي

تمثل مصراتة اليوم أولوية خاصة لنشاط تركيا على الأرض في ليبيا، ففيها القنصلية التركية، والميليشيات القاطنة فيها تعتبر أكبر داعم للتيار الديني المتطرف في الغرب الليبي. وقد استمرت القنصلية في ممارسة عملها من دون انقطاع، رغم إغلاق السفارة التركية في العاصمة طرابلس عام 2014، قبل أن يعاد فتحها في يناير 2017.

ويشير المحلل السياسي الليبي، عبد الباسط بالهامل، إلى أن مصراتة تحولت منذ 2014 إلى قاعدة تركية، يتم من خلالها نقل الأسلحة إلى الجماعات الإرهابية التي كان الجيش الوطني يحاربها في شرقي البلاد، كما كانت، إلى جانب قطر، الداعمين الرئيسين لمنظومة فجر ليبيا الانقلابية، وعندما أطلقت القوات المسلحة في الرابع من أبريل الماضي، عملية طوفان الكرامة لتحرير طرابلس، أصبحت مصراتة محطة استقبال للسلاح والخبراء الأتراك، سواء عبر البحر أو الجو، ثم تم الكشف عن نقل مئات المسلحين من شمالي سوريا إلى غربي ليبيا عبر الأراضي التركية، نظراً لوحدة الدافع الأيديولوجي الذي يجمع بين نظام أردوغان وميليشيات الوفاق والجماعات الإرهابية في إدلب وغيرها، وكذلك لرغبة تركيا في الإبقاء على أطماعها التوسعية في ليبيا، والتي لا يمكن فصلها عن أطماع توسعية في المنطقة ككل.

ووفقاً للرؤية التركية المعلنة، فإن الحل الوحيد للأزمة الليبية، يتمثل في ضرورة إشراك التيار الإخواني في العملية السياسية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بين الإخوان وحلفائهم في الغرب الليبي، والتيارات المدنية في الشرق، وهو ما يعنى إقصاء البرلمان والجيش والفعاليات الاجتماعية المؤثرة، والقوى الليبيرالية والتقدمية، وتأجيل المصالحة الوطنية.

مطامع في امتيازات إعادة الإعمار والاستثمارات

المحلل السياسي الليبي عز الدين عقيل، يقول إن الأيديولوجيا الإخوانية بمختلف تفرعاتها، أصبحت وسيلة أردوغان لمحاولة وضع يده على غربي البلاد، وخصوصاً بعد سيطرة الجيش والقوى الوطنية على المنطقة الشرقية، ويضيف أن أغلب القيادات الإسلاموية الليبية من جماعة الإخوان أو تنظيم القاعدة أو غيرها، مثل الصادق الغرياني وعبد الحكيم بالحاج وخالد الشريف، تقيم في تركيا، أو هي حاصلة على جنسيات تركية، ولديها استثمارات كبرى في تركيا، وأغلب الاعتمادات المالية الصادرة عن سلطات طرابلس تذهب إلى تركيا.

ويتابع عقيل أن جانباً كبيراً من المليشيات الإرهابية في مصراتة وطرابلس والزاوية وغيرها، تخضع للاختراق التركي، وأغلب قادتها لديهم استثمارات في تركيا، وجرحاها ينقلون إلى المشافي التركية للعلاج، كما أن الأوامر تصلها من تركيا، وكل ذلك يؤكد أن نظام أردوغان لا يزال يراهن على المليشيات والجماعات الإرهابية، كبديل لمؤسسات الدولة، وهو اليوم يشعر بأن كل رهاناته قد تخيب، مع تقدم الجيش في معركة تحرير العاصمة، لذلك يندفع بكل قوة لمد الإرهابيين والمرتزقة بالسلاح والخبراء والطائرات المسيرة، والخطط الميدانية والدعم الإعلامي والسياسي.

ويردف عقيل أن أردوغان يريد نصيباً مهماً من الكعكة الليبية، تصل إلى 18 مليار دولار، وفق تقارير دولية، وذلك من خلال امتيازات إعادة الإعمار والاستثمارات في النفط والغاز والبنى التحتية وغيرها، وهو يعتقد أن الوصول إلى تلك الامتيازات، لن يكون إلا بغطاء الدافع الأيديولوجي الإخواني، وبالنفوذ الميداني المليشياوي، وبالاستيلاب العرقي الثقافي.

ووفق مصادر ليبية مطلعة، فإن اللوبي التركي في مصراتة وطرابلس، دفع بالبنك المركزي الليبي إلى دعم البنك المركزي التركي، بوديعة تقدر بأربعة مليارات دولار، وبحسب أستاذ العلوم السياسية الليبي، محمد زبيدة، فإنه تم ضخ ملايين الدولارات إلى خزائن أردوغان، عبر اعتمادات مالية من جانب حكومة السراج، مشيراً إلى أن رئيس هيئة الرقابة المالية الليبية، خالد شكشك، قد كشف مؤخراً أن «277 مليار دولار قد تم تهريبها من ليبيا خلال الـ 4 سنوات الأخيرة»، مرجحاً أن «معظمها قد تم تهريبه إلى تركيا».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات