تجمع أكثر القراءات والتحليلات لنتائج انتخابات بلدية إسطنبول، على أنها شكلت هزيمة مدوية وضربة مؤلمة لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان، تبدأ من المدلولات السياسية للواقع الجديد، وتشمل نكسات في أكثر من بعد، ليس أقلها حرمانه من ميزانية المدينة الأكبر في تركيا، التي تبلغ نحو 4 مليارات دولار.
أول الغيث.. إسطنبول
ويرى هؤلاء أن الإجراءات الصارمة ودوامة القمع التي دخلت فيها البلاد في عام 2016، إثر محاولة الانقلاب الفاشلة ضد أردوغان، والتي رد عليها باعتقال عشرات الآلاف من عناصر الجيش والشرطة وموظفي الحكومة، فضلاً عن مدرسي الجامعات والمدارس، شكلت بداية فقدان أردوغان قدرته على التحكم بخطوط اللعبة، وأن انتخابات إسطنبول، المعادة بضغط منه، هي ناقوس الخطر الأول بالنسبة له.
كل هذه المعطيات تبقي السؤال مشرعاً فيما إذا كانت خسارة أردوغان لإسطنبول، ستضعه على سكة خسارته لكل تركيا.
نهاية كاريزما
الخبير في الشأن التركي، دانيال عبد الفتاح، قال لـ«البيان» إن نتائج الانتخابات في إسطنبول أكدت أن تركيا دخلت في مرحلة ظهور من ينافس رجب طيب أردوغان على السلطة، وأن الناخب التركي لم يعد يقبل بسلطة الرجل الواحد والحزب الواحد، المتسلط على نظام الحكم في تركيا.
وأضاف إنها شكلت صفعة قوية جداً وجهها الناخب التركي للحزب الحاكم، الذي فرض إعادة الانتخابات رغماً عن إرادة الشعب، الذي لم يرُق له هذا الأمر، لأن الأتراك لديهم تجربة عريقة في الانتخابات.
وبخصوص الأساليب الدعائية خلال الحملة الانتخابية، أوضح عبد الفتاح أن أردوغان فقد فعلياً قدرة ترهيب الشارع التركي من انتشار الفوضى، واللعب على الورقة الكردية، سواء باستعطاف الأكراد، أو بالتحذير من خطر مزعوم سيشكلونه على الداخل التركي، في حال نجحت قوى أخرى غير حزبه في الانتخابات، لكن الشارع لم ينصع لهذه اللعبة، بل ردها بوجه أردوغان في تصويت بفارق مهول بلغ نحو 777 ألف صوت، لصالح المعارضة.
أما الخبير التركي محمد يوفا فيرجع أسباب خسارة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة في إسطنبول إلى تراكم الأخطاء التي رافقت إدارة الحزب شؤون المدينة، والتي أحسنت المعارضة في الاستفادة من هذه الأخطاء لصالحها.
ومن بين أبرز الأسباب - برأي يوفا - عقلية التكبر والتجبر التي مارسها حزب أردوغان، وكان لها تأثير نفسي سلبي كبير على المجتمع، إضافة إلى أساليب القرارات الأحادية من دون الرجوع إلى إرادة الناخبين والأحزاب السياسية الأخرى، وتجاهلها عند اتخاذ قرارات تمس الأمن القومي للبلاد، فضلاً عن المصالح التجارية الداخلية والخارجية لتركيا.
وإلى مجموعة العوامل يشير أيضاً إلى توظيف الدولة والحكومة والمؤسسات لتخدم فقط المؤيدين والداعمين للحزب الحاكم، إضافة لاستخدام السلطة كوسيلة ضغط على المؤسسات التجارية والاقتصادية، لتصبح مؤيدة لقرارات السلطة.
وكر للإرهابيين
ويقول يوفا إن حزب السلطة، ومنذ تسلمه السلطة باع الأخضر واليابس من مؤسسات كبيرة ومهمة واستراتيجية، ومنشآت تابعة للحكومة والقطاع العام، فأداروا سياسة اقتصادية خاسرة، تسببت في اتساع حجم البطالة وانحسار السيولة.
كما يشدد أن السياسة الخارجية لأردوغان، ولا سيما في البلدان المجاورة كالعراق وسوريا، ودعم أطراف وجماعات «تخريبية» كثيرة، وإيواء منظمات إرهابية على الأراضي التركية، كتنظيم الإخوان المسلمين، الذي تحولت تركيا إلى قاعدة مركزية له، ما كان له أثر سلبي على الناخبين، الذين قالوا في انتخابات إسطنبول لا لأردوغان.
