منذ إعلان الولايات المتحدة الأمريكية، عن إنهاء الإعفاءات الممنوحة لمستوردي النفط الإيراني، وتصفير صادرات إيران من النفط، توقفت غالبية الدول عن استيراد النفط الإيراني خشية فرض عقوبات استثنائية عليها من جانب واشنطن، فيما حاولت طهران الرهان على حلفائها في إنقاذ اقتصادها من انهيار حتمي في ضوء تلك العقوبات، فكانت ترتكز بالأساس على كل من تركيا والصين، قبل أن تُقر الأولى تعليق استيراد النفط الإيراني التزاماً بالعقوبات الأمريكية، لتلحق بها الثانية مؤخراً، في خسائر متتالية وضعت الاقتصاد الإيراني في مهب الريح.

ووصف محلّلون، قرار الصين بالتوقف عن شراء النفط الإيراني بالكارثي على الاقتصاد الإيراني وقطاع النفط الذي يعد الرافد الأساسي للإيرادات الإيرانية، لاسيّما أنّ بكين هي أكبر مستورد للنفط الخام، وعليه فإنّ خسارتها تمثل ضربة قاضية لطهران التي لم يعد أمامها عملياً سوى الخضوع لمفاوضات جادة بشأن سلوكها في المنطقة.

ويعتبر توقف الصين عن استيراد النفط الإيراني كارثياً بالنسبة لإيران التي كانت تُعوّل بالأساس على الموقف الصيني بعد تعليق الولايات المتحدة الأمريكية، إعفاءات شراء خام النفط من طهران وسياسة واشنطن الخاصة بتصفير الصادرات الإيرانية من النفط.

وقال المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات، هاني سليمان، إنّ قرار الصين التوقف عن شراء النفط الإيراني ذكاء سياسي، مشيراً إلى أنّ الصين لا يمكن أن تضحي بمجمل علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، على رغم الحرب التجارية بين البلدين، ومن ثمّ يأتي القرار الأخير سلوكاً يمكن أن يؤسس لتفاوض جيد فيما يتعلق بالعلاقات بين الصين والولايات المتحدة.

ووفق سليمان، فإن قرار الصين والتي تعتبر أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، عكس رؤية لطبيعة الأزمة التجارية مع الولايات المتحدة، وهو مسار يمكن توظيفه سياسياً، موضحاً أنّ قرار الصين حاسم ويؤكد فشل التعويل الإيراني على الحلفاء بشكل كبير، لاسيّما تركيا والصين.

ولفت سليمان، إلى أنّ القرار يمثل ضربة قاصمة لإيران وفشلاً اقتصادياً إضافياً لقطاع النفط بشكل أساسي، والذي يسهم بنسبة أكبر من 50 بالمئة من إيرادات طهران، لاسيما بعد فشل الآلية المالية الأوروبية التي كانت تهدف لإنقاذ الاقتصاد الإيراني.

رضوخ

وأشار سليمان إلى أنّ الأمور تزداد صعوبة على إيران، مبيناً أنّ الواقع الراهن يؤكد أنه لا يوجد مشترون جدد للنفط الإيراني، ولا حتى قدامى، ما سيتسبّب في أزمة كبرى لإيران، لاسيّما أنّ قطاعات أخرى مثل قطاع الألمنيوم والنحاس الذي يشكل 10 بالمئة من إيرادات إيران، مشمولة ضمن العقوبات الأمريكية أيضاً. وبشأن التداعيات، رأى المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات هاني سليمان، أن كل ذلك يجب أن يدفع إيران للرضوخ لمفاوضات جديدة، ليس فقط بشأن الاتفاق النووي، بل أيضاً فيما يتعلق بسلوكها في المنطقة.

مصالح خاصة

بدوره، قال الباحث بالمنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، محمد خيري، إنّ الصين تسعى للحفاظ على مصالحها واستثماراتها في أكبر الأسواق العالمية بغض النظر عن التنافس أو الصراع على صعيد السياسة الدولية أو الاقتصاد الدولي والحرب التجارية القائمة بينها والولايات المتحدة، مشيراً إلى أنّها اتخذت ذلك القرار انطلاقاً من الرغبة القوية في المحافظة على استثماراتها في واشنطن.

وأضاف خيري: «مثل تلك الخطوة تضع إيران في مأزق شديد».

وأردف: «الصين بلا شك أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وكانت تشتري نحو 500 ألف برميل يومياً وتوقفها عن شراء النفط الإيراني يمثل كارثة كبرى لإيران التي تخلّى عنها حلفاؤها في الوقت الذي تعتمد فيه بصورة أساسية على صادراتها من النفط، والآن لم تعد تستطيع التعويل على حلفائها، في الوقت الذي بدأت فيه الصين البحث عن بدائل أخرى للنفط الإيراني، وإقدام الدول التي كانت تستورد النفط الإيراني بالاستجابة للعقوبات الأمريكية، خشية الخضوع لعقوبات استثنائية من جانب الولايات المتحدة».