أعداؤهم مختلفون لكن أساليبهم ووجهات نظرهم قد تبدو متشابهة بشكل لافت، يقول الخبراء. ففي نواحٍ عدة، لا يختلف المسلح القومي المؤيد لنزعة تفوق «البيض»، والذي قتل حوالي 50 شخصاً في مسجدين في نيوزيلندا أخيراً، كثيراً عن المتشددين المسلحين الذين قاموا بعمليات إطلاق نار مماثلة على حشود من البشر لصالح جماعات أصولية عنيفة متشددة أخرى في أنحاء أخرى من العالم.
يكتب الصحافي البلجيكي المصري خالد دياب في صحيفة «واشنطن بوست» أن أنصار تفوق «البيض» والمتشددين «الإسلاميين/الأصوليين» يبدون متشابهين تماماً، يقول: «قد تنظر هاتان الأيديولوجيتان إلى نفسيهما كقطبين متناقضين، لكن وجهات نظرهما في العالم تشبه الواحدة الأخرى.
كلاهما مصاب بجنون العظمة والارتياب، ويظهران مزيجاً ساماً من التفوق والدونية تجاه الآخر، ويزدريان بمن هو أقل تطرفاً من مجتمعهما، ويشعران بالحنين إلى ماضٍ متخيل من الهيمنة الثقافية»، كما يؤكد «إن خيال قاتل نيوزيلندا المتمثل في التغيير الثوري من الداخل يعكس خيال الكثير من المتطرفين المتشددين، فمحاربة «العدو القريب» أي العدو في الداخل، ركيزة أساسية للإيديولوجية والبرامج السياسية لـ «داعش» أيضاً، ولماذا كان المسلمون أنفسهم الهدف الأكبر لغضبهم القاتل"، وهما يتشاركان في ازدرائهما بجوانب عدة من «الحداثة»، وهو ما يترجم بتوق ساحق إلى ماضٍ مفترض «أكثر مجداً وصفاءً»، وحنين لعظمة إمبراطورية قديمة عندما كان العالم «تحت سيطرتهم»».
لكن الملفت يقول دياب هو أن قاتل نيوزيلندا ساوى ذلك التآكل المفترض للامتيازات بالاضطهاد، واستخدم لغة الاحتلال ومعاداة الاستعمار والمضطهدين، على الرغم من عيشه في مجتمع قائم على المستوطنين الأوروبيين.
وبرر جرائمه بمصطلحات دينية، مثل نظرائه المتشددين، وقام بتغليف ذلك قائلاً إنها مدفوعة بالحاجة الملحة لتجنب «الإبادة الجماعية للبيض المفترضة»، كما يتحدث منظرو المتشددين عن إبادة المسلمين، في أساطير تتفشى في أوساط الطرفين. «نحن نشهد غزواً على مستوى لم يسبق له مثيل في التاريخ» قال محرم نيوزيلندا، في الوقت الذي ضحاياه كانوا مصلين ضمن أقلية صغيرة في مسجد.
الطرفان يمثلان وجهين لعملة واحدة محافظة للغاية، يقول الكاتب ديفيد أتكينز في «واشنطن مونثلي»، ويتشاركان في حبهما للأسلحة والعسكرة والاثوقراطية والتوسعية والعودة إلى «الأيام الخوالي».
مسرح العنف
من جهتها، تعدد الكاتبة كاثي غيلسينان في مجلة «ذا أتلانتيك» قواسم مشتركة في أسلوبهما وتكتيكهما. تقول مسرح العنف هو القاسم المشترك بين تلك الجماعات، أي «الدعاية من خلال الفعل»، لكن العنف جزء من كل ذلك، مجرد جزء فقط. وفيما ما يريده المسلحون المتشددون والمهاجمون من أنصار تفوق «البيض» من الطراز الجديد، هو وقوع الكثير من القتلى، لكن هدفهم لا يقتصر فقط على القتل، بل توجيه رسالة ما.
فالقاتل في نيوزيلندا، مثل مرتكبي المجازر من أنصار تفوق «البيض» من قبله، استحضر ادعاء اليمين المتطرف عن «غزو» المهاجرين الساحق لعرق «البيض»، معلناً على الإنترنت عزمه الانتقام «وحض أعداء شعبه السياسيين على التحرك» حتى يواجهوا برد عنيف.
يكتب مدير الأبحاث في برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن، إلكسندر ميليغرو-هيتشنز: «الاعتقاد بقوة القتل الجماعي يترسخ الآن عند جميع أنواع الإرهابيين»، مضيفاً: «عدد الناس الذين سقطوا قتلى أصبح الآن مهماً كما الطبيعة الرمزية للهدف».
ولاحظ أن البيان الذي نشره القاتل النيوزيلندي يدعو لفت انتباه الإعلام مجرد «مكافأة» مع «الهجوم كغاية في حد ذاته». لكن كاتي غيلسنان ترى مجرد قيامه بنشر بيان يشهد على التصريح السياسي الذي أراد المهاجم الإدلاء به.
نظرية المؤامرة
موضوع مشترك آخر هو الترويج لنظرية المؤامرة، نظرية المؤامرة بأن الغرب يشن حملة مدبرة متعمدة لإبادة المسلمين، والصورة المطابقة لها، ما يسمى بالإبادة الجماعية للبيض، وهي حملة مزعومة بإبادة العرق الأبيض من خلال الهجرة.
الظاهرة الأحدث هي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتسليحها. فقد قام القاتل في نيوزيلندا ببث الهجوم عبر الإنترنت. وقام بنشر بيان من 74 صفحة وتشدق متفاصحاً متبعاً خطى نصير تفوق «البيض»، اندريس بريفيك، الذي قتل أكثر من 70 شخصاً في النرويج عام 2011، وديلان رووف الذي أطلق النار على تسعة مصلين في كنيسة تشارلستون عام 2015.
الاثنان اللذان أطلقا النار نشرا أيضاً بيانات على الإنترنت شرحا فيها موضوعات مماثلة، بل واستشهد مطلق النار في نيوزيلندا ببريفيك مباشرة كمصدر إلهام له. «هو وغيره من الإرهابيين من مشارب مختلفة يأملون أن توفر أفعالهم إلهاماً للآخرين للقيام بالشيء نفسه»، يكتب ميلغرو-هيتشنز.
لكن الدعاية الإرهابية تأتي بأشكال عدة على الإنترنت، تفيد غيلسينان. فقد اشتهر «داعش» بالفيديوهات التي تمجد العنف، وقد استخدم وسائل التواصل لتجنيد أتباع وبشكل أكثر نشاطاً للمساعدة في التحريض وحتى تنسيق الهجمات، وقد نشر مطلق النار في أورلاندو بفلوريدا تعهداً بالولاء للجماعة على الإنترنت.
من جهة أخرى، تبدو الحركة العالمية النصيرة لتفوق «البيض» أكثر تذريراً وانتشاراً من الحركات المتشددة، حتى عندما يتواصل أتباعها مع بعضهم بعضاً ويصرحون بمواضيع مماثلة. فلا توجد لأنصار تفوق «البيض» «أرض بحدود»، وهذا يعني أيضاً أنه لا يوجد هدف عسكري لشن هجوم ضده، كما قصفت القاذفات الفرنسية الرقة في سوريا في أعقاب هجمات باريس.
لكن حتى في ذلك ترى أوجه تشابه، تقول إنه في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فإن المخططات المنسوبة إلى «داعش» لم تكن لها أي صلة جسدية بـ«داعش» في العراق وسوريا.
وغالبية الذين حوكموا على الجرائم المرتبطة بـ«داعش» في الولايات المتحدة كانوا مواطنين أميركيين أو مقيمين دائمين لم يسافروا يوماً أو حاولوا حتى السفر إلى مناطق «داعش». لم يكن أي قصف لسوريا سوف يمسهم مباشرة.
أساليب التصدي
تعتقد أن ما نجح في تلك الحالات كان تطبيق القانون، بالطريقة نفسها كما قبضت شرطة نيوزيلندا على المشتبه بهم الذين يعتقد أنهم متورطون في الهجوم على المسجد.
كتبت الصحافية آن أبلباوم في «واشنطن بوست»: «منذ 2001، قاربت الحكومات في أنحاء العالم التطرف الإسلامي على الإنترنت بجدية قاتمة، ومنعت موارده المالية، وفتشت عن إرهابيين محتملين يعملون مع منصات الإنترنت. وعلى النقيض، ما زالت معاملة أنصار تفوق البيض بعيدة عن أي شيء يشبه النشاط نفسه.
فبعد ساعات عدة بعد إطلاق النار في نيوزيلندا، كان من السهل إيجاد فيديو على الإنترنت. وكان هناك عدد قليل من البرامج الحكومية الخاصة لمحاربة الأشكال الأكثر اعتدالاً لهذه الأيديولوجية العنيفة».
ويبقى القاسم المشترك لهؤلاء المتطرفين على مختلف مشاربهم، في النهاية، هي الأرواح التي يزهقونها والأحزان على الأحباء التي يخلفونها وراءهم، واستهدافهم الضعفاء في مجتمعاتهم بهجمات مليئة بمشاعر العنصرية والكراهية، مثلما جرى في نيوزيلندا، ومن قبلها في أماكن أخرى من العالم، تقول كاثي غيلسنان: «دوافعهم السياسية وتقاليدهم على الإنترنت ونظريات المؤامرة الخاصة بهم، لا يمكنها أبداً أن تشرح بالكامل عنفاً لا معنى له في الأساس، وخسارة مجتمعية قاسية إلى حد عميق».


