خطاب التهدئة مع الداخل والتصعيد مع الخارج

خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس، أظهر انسجام الرجل مع نفسه، ووفاءه لمواقفه المعلنة منذ الحملة للانتخابات الرئاسية حتى هذه اللحظة، رغم أنه بدا، خلافاً لعادته، هادئاً هذه المرة سيما في مخاطبته خصومه السياسيين في الداخل، سيما وهو يدعو للوحدة في خطاب حالة الاتحاد، مشيراً إلى أن فكرته عن الأرضية المشتركة هي حمل الديمقراطيين على دعم برنامج سياساته والتوقف عن التفتيش في خبايا إدارته. لكن التقلّبات التي عرف بها ترامب، وتتجلى في بعض تصريحاته، لم تنقله إلى الضفة الأخرى والمواقف الجديدة، بقدر ما كرر المواقف ذاتها إزاءها.

الملفات التي تناولها ترامب لم تتغيّر، كما معالجاتها. فهو واصل هجومه على إيران وسياساتها التي وصفها بـ«الديكتاتورية الفاسدة» والمعادية للسامية التي تفعل الأشياء السيئة، متعهّداً بألا تحصل طهران مطلقاً على أسلحة نووية. ويؤكد هذا الموقف محدداً إصرار ترامب على رفع الحواجز أمام الاندفاعات الإيرانية في العديد من دول المنطقة، وكذا تمسّكه الحاسم بجعل الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1) وراء ظهر إدارته، بكل ما يترتّب على ذلك من فرض للعقوبات على طهران، ومواجهة سياساتها في غير دولة بالمنطقة.

ثبات الملفات

ورغم كل ما يثار في الكونغرس وبعض الإعلام الأمريكي من انتقادات لقراره الانسحاب العسكري من سوريا، جدد ترامب تمسّكه بهذا الانسحاب، لا بل دعا الأمريكيين لتجهيز استقبال حافل للعسكريين الأمريكيين العائدين من شمال سوريا، مستعرضاً ما فعله العسكريون الأمريكيون في أفغانستان والعراق وسوريا، وقد يستمر هذا الموضوع كإشكالية بين الرئيس الأمريكي والمؤسسة التشريعية.

هذا المشهد الإشكالي استمر في البروز بشأن الجدار على حدو د المكسيك، إذ إن ترامب لم يتزحزح عن موقفه بشأنه، واصفاً إياه أنه جدار ذكي واستراتيجي وليس مجرد جدار خرساني، مع العلم أن هذا الموضوع سخّن الأجواء مع الديمقراطيين وتسبّب بالإغلاق الحكومي رغم التوصّل بعد أخذ ورد إلى وضع حد له بتوافق جديد وضع «الزمبرك» تحت الدعسة. وكذا الأمر بخصوص سباق التسلّح مع روسيا، تحدّث ترامب بروحيّة التحدي والتسابق مع موسكو، لكنه أبقى الباب مفتوحاً لإعادة التفاوض حول الصواريخ النووية القصيرة والمتوسّطة المدى، على أن تشمل دولاً أخرى مثل الصين، وذلك بعدما انسحبت واشنطن من المعاهدة الموقّعة مع موسكو.

أقل حدّة

الرئيس الأمريكي أفرد مساحة مهمّة للحديث عن الشأن الداخلي الأمريكي من بوابة الاستقرار والنهوض. لكن الطريقة التي تحدّث بها حملت العضو الديمقراطي بمجلس النواب بيتر ويلش للقول «كانت لهجته أقل حدة وألقى خطاباً ولم يغرد على (تويتر) وهذا أكثر ملاءمة عندما تكون رئيس الولايات المتحدة. التفاصيل المتعلقة بسياساته ستمثل التحدي الحقيقي».

المستشار الجمهوري مات ماكوياك ذهب في نفس الاتجاه حين قال عن ترامب «كان سمته رئاسياً الليلة مثلما لم يكن من قبل». ويظهر الخطاب فيما يبدو قدراً من الاعتراف من جانب البيت الأبيض بأن أسلوبه الصاخب والإشكالي له سقف وليس مطلقاً أو دائماً. وقال برادلي بليكمان المعاون السابق للرئيس الأسبق جورج دبليو بوش «لقد فعل كل ما في وسعه على نحو منفرد.

وهو الآن بحاجة لإقرار مشاريع القوانين». واعتبر بليكمان أن ترامب بحاجة للديمقراطيين كي يكون أغلبية في حالة معارضة الجمهوريين المحافظين لبعض من مقترحاته الأكثر وسطية من قبيل الإنفاق الضخم على البنية الأساسية والمحادثات بشأن إصلاح الهجرة. وأضاف «كان الرئيس شخصاً متفاعلاً مثلما لم نره من قبل. هو يدرك أن هذه الصفقة ربما لا تروق لك لكنني أحتاجك لثلاث صفقات أخرى».

واعتبرت نانسي بيلوسي العضو الديمقراطي البارز في مجلس النواب خطاب ترامب «منفصلاً تماماً عن الواقع القاسي لسلوكه»، ما يعني أن الصراع بين الكونغرس والإدارة سيستمر إلى إشعار آخر.

الكهف

قال رودبل مولينو الذي سبق أن عمل مساعداً كبيراً للسيناتور الديمقراطي السابق هاري ريد في تعليقه على خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «إذا كنت تعيش في كهف خلال الشهر الماضي فإنك قد تعتقد أن هذا خطاب منطقي، وإذا رأيته كل يوم فإنك لن ترى ذلك سوى مجرد كلام. لو كان تصرف على هذا النحو كل يوم لربما كان للديمقراطيين موقف مختلف».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات