الوعي الإنساني من القيم التي لا تحتاج إلى التخرّج في أشهر الجامعات أو امتلاك ملايين الدولارات بقدر ما تحتاج إلى درجة من الثقافة الإنسانية والإيمان بمسؤولية المرء تجاه وطنه والإنسانية بشكل عام. تلك هي النظرية التي استند إليها المزارع البنجابي البسيط غورباتشان سينغ في معركته للقضاء على التلوث البيئي الذي تعاني منه الهند، الدولة المصنفة من أعلى عشر دول تلوثاً في العالم.

بدأت قصة المواطن الهندي غورباتشان سينغ عام 2017 بعدما وصلت حالة الضباب في مدينة نيودلهي إلى أسوأ معدلاتها، وكان الهواء غير صالح للتنفس بسبب حرق مخلفات المحاصيل في مدينتي نيودلهي وإقليم بنجاب، ما تسبّب بمشكلات في الجهاز التنفسي لأكثر من 60 ألف أسرة هندية. ووصل الأمر إلى درجة توقف السكان معها عن إرسال أطفالهم إلى المدارس، حيث تسبّبت الأمطار في غمر الحقول بالطين الأسود، مع طبقة سميكة من السناج فوق الآلات والمعدات الزراعية.

منهج استباقي

وفقاً لـ «فاينانشال إكسبرس» الهندية، كان مزارع وحيد في الولاية يخوض المعركة ضد حرق المحاصيل هو غورباتشان سينغ من إقليم بنجاب، استخدم منهجاً استباقياً في محاولة لزرع الوعي بين زملائه المزارعين حول خطورة حرق آثار المحاصيل، وبدأ معركته من خلال حفل زفاف ابنه، فوفقاً للتقاليد الهندية يقوم أهل العروس بدفع مهر ضخم وشراء هدايا من الذهب لعائلة العريس، لذلك قرر المزارع البنجابي التنازل عن كل تلك الأموال والعادات مقابل شرط واحد أن يقدّم والد العروس تعهداً مكتوباً بالتوقّف عن حرق قش الأرز في مزرعته. ورغم غرابة الشرط فإن والد العروس وافق، وبعدها بدأت القصة تنتشر في أنحاء البنجاب ودلهي، وبدأ الكثير من المزارعين يتواصلون مع المزارع غورباتشان لمعرفة السبب وراء هذا الشرط، ومن هنا بدأ الجزء الثاني من خطته في نشر التوعية، حتى يتوقف هؤلاء المزارعون عن حرق مخلفات محاصيلهم. ولم يكتف بذلك بل قدم لهم بديلاً جيداً لتلك العملية الخطرة على البيئة.

تقنية جديدة

الحل السحري الذي أدركه المزارع البنجابي وجعله يتوقف منذ أكثر من عشر سنوات عن حرق قشور الأرز في أرض مساحتها 40 فداناً يملكها في قرية برج ديفا سينغ في البنجاب مع شقيقه غوردييف، هو أن هذا المزارع اشترى آلة الحراثة الصفراء، ثم تحول إلى تقنية جديدة تسمى «غرس البذور السعيد»، التي تؤهل المزارع أن يزرع البذور من دون الحاجة إلى إزالة الحطام الموجود عن طريق استخدام آلة الحرث.

25.1 %

تمثل الزراعة قطاعا مهماً في الهند حيث تسهم بـ 25.1% في الناتج الداخلي الإجمالي، وتشغّل 63% من السكان النشطين. ويمثل الأرز أهم الحبوب في التغذية بالهند، إذ يحتل المرتبة الثانية عالمياً (22% من الإنتاج العالمي) وتحتل المرتبة الثالثة في إنتاج القمح، أما باقي الحبوب فتزرع في أراضٍ فقيرة وجافة إلى جانب القطاني.

وكان من بين أهم إنجازات الدولة الهندية في القطاع الزراعي أنها تجاوزت حد الاكتفاء الذاتي من الغذاء وأوجدت مخزوناً احتياطياً من الحبوب وصل عام 1979 إلى 20 مليون طن، وارتفع عام 1995 ليصل إلى 30 مليون طن، الأمر الذي كان من نتائجه زيادة قدرة الدولة على التعامل مع الجفاف مثلما حدث عامي 1979 و1987، ولم تعد هناك مجاعات كتلك التي حدثت في البنغال عام 1943 وأدت إلى وفاة ثلاثة ملايين هندي. على أنه يجب مراعاة أن هذا الاكتفاء الذاتي لا يعني تحقيق الإشباع المطلق لكل فرد، لأن ذلك يستلزم من الهند مضاعفة إنتاجها من الغذاء، حتى يمكنها توفير مستوى معيشي مناسب لفقرائها.