ثمة معركة سياسة تظهر على السطح اليوم بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وروسيا وألمانيا، وربما أوروبا، من جهة ثانية، بسبب معضلة الغاز، ومحاولات روسيا الهيمنة على أوروبا عبر الغاز.

وقد بدأت المعركة واضحة، من خلال تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي وعد الأسبوع الماضي، أوكرانيا، بمحاربة إقامة مشروع أنابيب الغاز الألماني الروسي «نورث ستريم 2»، الذي يقوّض، بحسب قوله، الأمن الأوروبي. وقال خلال لقاء مع وزير الخارجية الأوكراني بافلو كليمكين في واشنطن، إن أوكرانيا «ليس لديها صديق أعظم من الولايات المتحدة، فما هو مشروع الغاز الروسي الألماني «نورث ستريم 2»، وما تداعياته على المسرح الأوروبي».

السيل الشمالي

منذ عام 2012، بدأ مشروع «السيل الشمالي»، الذي يربط روسيا بألمانيا عبر بحر البلطيق، حيث يعتبر أطول خط أنابيب تحت بحري في العالم، ويقوم بضخ 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً إلى ألمانيا، إذ يتم استهلاك أكثر من 65 في المئة منها في ألمانيا، بينما تقوم الأخيرة بضخ الكميات المتبقية إلى دول أوروبية أخرى.

هذا الضخ الروسي للغاز إلى ألمانيا، ليس كافياً لأوروبا العجوز، في ظل مؤشرات على تراجع الغاز الإسكتلندي والهولندي والنرويجي في الفترة المقبلة، لذا، تعمل كل من روسيا وألمانيا على مشروع نورث ستريم 2. أما «السيل الشمالي 2» فسيقوم، بمضاعفة كمية الغاز الروسي المصدرة إلى ألمانيا، لتصبح 110 مليارات متر مكعب سنوياً، حال الانتهاء من أعمال الإنشاء والتشغيل المخطط لها أن تكون أواخر عام 2019، الأمر الذي سيحول ألمانيا إلى محطة رئيسة لتوزيع الغاز في القارة الأوروبية، بينما ستقوم موسكو بإيقاف الضخ عبر أوكرانيا، إلا أن هذا المشروع يتعرض لهزات متواصلة، ومشكلات عميقة، كان آخرها إعلان الولايات المتحدة مشروع عقوبات على روسيا، شملت الشركات الأوروبية المشاركة في هذا المشروع، في محاولة لكبح التمدد الروسي في أوروبا.. وتجدد التهديدات الأميركية أيضاً، يشكل عائقاً أمام هذا المشروع.

الذريعة الأميركية، كشف عنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي قال إن بلاده ستواصل العمل معاً لوقف مشروع «نورث ستريم 2»، الذي يستخفّ بأمن أوكرانيا الاستراتيجي والاقتصادي، ويهدد بالمساس أكثر بسيادة الأمم الأوروبية، التي تعتمد على الغاز الروسي. وأضاف: نحن لا نريد أن يصبح أصدقاؤنا الأوروبيون فريسة هذا النوع من التلاعب السياسي والاقتصادي، الذي تحاول روسيا القيام به في أوكرانيا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي.

مخاوف أميركية

المخاوف الأميركية تستند إلى مخاوف أوروبا الشرقية أيضاً، وبحسب تقرير صحيفة «لاريبوبليكا» الإيطالية، فإن ثمة معارضة من دول أوروبا الشرقية، التي ترى أن أوروبا يجب أن تخفض، ولا تزيد، من اعتمادها على الغاز الروسي، وهو المبدأ الذي يفسر خط أنابيب الغاز الذي يجري بناؤه حالياً «Tap»، والذي من شأنه جلب الميثان إلى إيطاليا، من أذربيجان وعبر تركيا واليونان وألبانيا، ومنها إلى جميع أنحاء أوروبا.

وتبلغ تكلفة بناء الخط الجديد 45 مليار يورو، بطاقة 16 مليار متر مكعب سنوياً، مقابل تكلفة خط «السيل الشمالي 2»، البالغة 10 مليارات يورو فقط، بطاقة 55 مليار متر مكعب سنوياً.

ونقلت «لاريبوبليكا» عن تقرير لوزارة الخارجية الألمانية، قولها إنه إذا قررت غاز بروم الاحتفاظ بخفض الأسعار، فسوف يكون ثمة متسع للجميع للاستفادة. وبحلول عام 2035، سيزيد الاعتماد على الغاز الروسي بنسبة 32 في المئة فقط، ما يوازي 156 مليار متر مكعب سنوياً، في حين أن الاعتماد على خط «Tap» سيزيد بنسبة 26 %، ما يمثل عشرة أمثال ما هو مخطط اليوم. وإذا لم يُنجز مشروع ازدواج «التيار الشمالي»، فإن صادرات الغاز الروسي ستتراجع إلى 96 مليار متر مكعب سنوياً، في حين سترتفع إمدادات الممر الإيطالي إلى 41 مليار متر مكعب سنوياً، أمّا إذا حدث العكس وتوقف خط «Tap»، فسوف يرتفع حجم الإمدادات الروسية ليصل فقط إلى 107 مليارات متر مكعب سنوياً، أي أقل من الفرضية الأولى حال تشغيل كلا الخطين.

هذا الصراع على الغاز في أوروبا، من شأنه أن يفجر صراعاً اقتصادياً متشعباً، ولعل أحد التحديات الروسية، هو التخلص من المعارضة الأميركية لهذا المشروع، الذي سيفتح رئة روسيا الاقتصادية، ويعزز هيمنتها، الأمر الذي تخشاه واشنطن على الحليف التاريخي.