مئوية الحرب العالمية الأولى: كرونولوجيا حقائقها المرعبة

يحتفل العالم بعد غد 11 نوفمبر بمئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى، التي نشبت بدايةً في أوروبا بتاريخ 28 يوليو 1914 وانتهت في 11 نوفمبر 1918. وبالمناسبة نحاول في هذا المقال لفت الانتباه إلى الحقائق التي لم يتم التطرق إليها أو نسيانها والأمور التي قد تكون مثيرة للاهتمام وكذا التفاصيل المثيرة.

وتبقى الأرقام الخاصة بالحرب العالمية الأولى تقريبية إلى حد ما، كون المصادر في تلك الفترة كانت غير موثوقة في كثير من الأحيان بسبب الدعاية التي كانت تقوم بها أطراف الصراع، لذلك كان المؤرخون يجدون صعوبة في الاتفاق والتوافق حول الأرقام.

وتشير الأرقام إلى أنّ عدد الجنود الذين سقطوا في المعارك يقدر بحوالي 10 ملايين، بينما بلغ إجمالي عدد القتلى في صفوف المدنيين حوالي 9 ملايين نسمة.

وقد انخرطت 12 دولة فقط في الحرب منذ صيف العام 1914، وهو ما يمثل أكثر من 800 مليون نسمة، أي نصف سكان العالم في ذلك الوقت.

خلال توقيع الهدنة، بقي 20 بلدا فقط على الحياد خلال الحرب الكبرى. وتقع معظم هذه البلدان التي بقيت محايدة بشكل أساسي في أميركا اللاتينية وشمال أوروبا.

وقد التحق أكثر من 8 ملايين فرنسي بجبهات القتال خلال السنوات الأربع للصراع، مقابل 13 مليون ألماني. وأرسلت المملكة المتحدة 9 ملايين عسكري، بينهم حوالي مليون ونصف المليون شخص من مستعمراتها السابقة وخاصة من الهند.

فرنسا استقدمت عددا أقل من المقاتلين من مستعمراتها التي كانت تسيطر عليها آنذاك، حوالي 600 ألف مقاتل من افريقيا، وخاصة من دول المغرب العربي.

روسيا خصصت عددا قياسيا من المقاتلين أثناء الحرب العالمية الأولى من خلال استدعاء 18 مليون شخص، وقد دفعت روسيا ثمنا باهظا خلال تلك الحرب التي راح ضحيتها  مليوني روسي، وهو نفس حجم الخسائر البشرية في ألمانيا.

أرقام مجازر الحرب كانت مروعة جدا، حوالي 900 جندي فرنسي سقطوا بمعدل يومي خلال الحرب ليكون العدد النهائي للخسائر البشرية 1.4 مليون قتيل و4.2 مليون جريح، ولكن صربيا، وهي أول دولة واجهت امبراطورية النمسا والمجر كانت الأكثر تضررا من الحرب، إذ فقد جيشها الصغير 130 ألف مقاتل، وأصيب 135 ألفا آخرين؛ أي ثلاثة أرباع الجيش.

خلال الحرب العالمية الأولى كانت المدفعية الأداة الرئيسية للقتل، ففي أربع سنوات تمّ إطلاق 1.3 مليار قذيفة. وفي فرنسا مثلا ارتفع عدد القذائف من 12 ألف قذيفة يوميا في سبتمبر 1914 إلى 300 ألف في العام 1918.

في 22 أبريل 1915، ظهرت سحابة قاتلة قرب إيبر في بلجيكا، وكان ذلك أول هجوم بالغاز في التاريخ، والذي أطلقه الألمان وتسبب في اختناق حوالي 5 آلاف جندي فرنسي. الأمر يتعلق بهجوم بالكلور، الذي حلّ محله الفُسجين، الأكثر فتكًا لأنه يقتل بعد ساعات من استنشاقه.

وخلال يوليو 1917 فقط دخل غاز الخردل المشهد الحربي، وكان ذلك في إيبر البلجيكية دائما وتحت اختبار الجيش الألماني.

غاز الخردل يطلق رائحة نفاذة وهو دهني ويهاجم الجلد. الجنود الذين عايشوا الحرب لقبوه بسخرية بـ "ملك الغازات القتالية".

وقد تسببت هذه الغازات في مقتل 20 ألف جندي وسط معاناة مروعة، وخاصة خلال حرب الخنادق التي شكلت أحد أبرز المشاهد المرعبة للحرب العالمية الأولى.

وبما أنّ المجتمع الفرنسي كان مجتمعا فلاحيا خلال أوائل القرن العشرين، فقد روت دماء المزارعين، إلى حدّ كبير، الأراضي الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى.

ففي العام 1918، كانت أكثر من نصف الخسائر العسكرية في فرنسا في القطاع الزراعي، حيث تمّ تدمير أكثر من ثلاثة ملايين هكتار من الأراضي الزراعية بسبب المعارك.

منذ 7 أغسطس 1914 بدأ الفرنسيون العمل، كان رئيس المجلس آنذاك، رينيه فيفياني، أول من دعا "النساء المزارعات" لتعويض من التحقوا بساحات القتال. وحسب مصادر تاريخية، فإنّ ثلث المزارع كانت تحت رئاسة نساء خلال الحرب العالمية الأولى.

وسرعان ما حلّت النساء محل الرجال في المصانع، خاصة في مصانع الأسلحة، وقد أصبح آنذاك يطلق عليهن اسم "الذخيرة"حسب "يورونيوز".

وفي العام 1918، تمّ تسجيل 400 ألف امرأة في قطاع مصانع الأسلحة في فرنسا، ما يمثل ربع القوى العاملة.

وفي معظم أنحاء أوروبا دخلت النساء مجال العمل، فأصبحن سائقات للحافلات والترامواي، كما شهد قطاع البريد والمصارف والتعليم دخول النساء. بعضهن أصبحن موردات لمادة الفحم ونادلات في المقاهي والمطاعم، وهو أمر نادر في تلك الفترة، بل كان يدخل في خانة المحرمات لدى بعض المجتمعات.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى في 1918، عادت النساء إلى بيوتهن بمجرد عودة الرجال من جبهات القتال لاستئناف نشاطهم.

وقد تعين على الفرنسيات والإيطاليات الانتظار حتى نهاية الحرب العالمية الثانية للحصول على حق التصويت، وهو الحق الذي اكتسبته البريطانيات والألمانيات مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى.

اليوم الأكثر دموية في تاريخ الجيش الفرنسي لم يكن خلال معركة فردين أو معركة السوم في العام 1916، بل كان يوم 22 أغسطس 1914 حيث قضى 27 ألف مقاتل خلال 24 ساعة.

ومع ذلك، تبقى معركة السوم أكبر المعارك بالنسبة لفرنسا حيث قضى خلالها 1.2 مليون شخص، ويعدّ نصب ثيبفال التذكاري شاهدا على المعركة حيث يحمل أسماء 72 ألف من جنود المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا، الذين اعتبروا في عداد المفقودين بين 1914 و1918.

وأيضا في منطقة السوم، تم تخصيص متنزه نيوفاوندلاند التذكاري للكنديين من الكتيبة الأولى من فوج نيوفاوندلاند. في الفاتح من يوليو 1916 قتلوا في النزاع حيث ابيد 86 في المائة منهم خلال 25 دقيقة.

70 في المائة من الجيش الفرنسي، بما في ذلك القوات الألمانية عايشوا جحيم فردين، حيث عانى الجميع لمدة 10 أشهر من ويلات الحرب.

وكانت دول المغرب وافريقيا، التي كانت تخضع حينها للاستعمار الفرنسي، قد قدمت أبناءها للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، إلى جانب القوات الفرنسية على أمل الحصول على استقلالها بعد نهاية الحرب.

فالجزائر مثلا لم تقدم الدعمَ الماديَّ باعتبارها أرضا تابعة لفرنسا وإنما قدمت أيضا آلافَ الجنود الخاضعين للخدمة العسكريّة الإلزاميّة والذين غالباً ما تمَّ وَضعُهم في الخطوط الأمامية، كما أرسلت دول افريقيا جنوب الصحراء المقاتلين السينغاليين الذين وضعوا أيضا في المقدمة خلال المعارك الضارية.

كرونولوجيا الحرب العالمية الاولى

يمكن القول إن الحرب العالمية الأولى غيرت مسار التاريخ، فقد أدت إلى سقوط امبراطوريات، وتفتت دول، وقيام أخرى جديدة، وفيمل يلي أهم مراحلها:

1. تسمى أيضا الحرب العظمى.

2. بقيت الحرب أوروبية حتى العام 1917 حتى إعلان دخول الولايات المتحدة فيها.

3. هي حرب قامت نتيجة سبب "مباشر"، بعد اغتيال وريث العرش النمساوي فرانز فرديناند، على يد الصربي كافريلو رينسيب في 28 يونيو عام 1914.

4. غزت الأمبراطورية النمساوية مملكة صربيا، فأعلنت روسيا تأييدها لصربيا، وهنا تدخلت ألمانيا كحليف للنمسا، فاصطفت فرنسا وبريطانيا مع روسيا.

5. طرفا الحرب كانا، الوفاق الثلاثي المكون من روسيا وفرنسا وبريطانيا، والحلف الثلاثي، المكون من النمسا وإيطاليا وألمانيا، ثم خرجت إيطاليا ودخلت بدلا منها الإمبراطورية العثمانية.

6. تغير مفهوم الحرب التقليدي، وتم استخدام الأسلحة الكيميائية فيها لأول مرة، كما تم قصف المدنيين من الطائرات.

7. التنافس الاستعماري هو السبب الخفي للحرب، خاصة مع الثورة الصناعية، والحاجة إلى تصدير البضائع وتوفير المواد الأولية للصناعات، فسعى سياسيو الدول إلى النظر خارج الحدود، باستعمار مناطق جديدة، ما أدى إلى حصول نزاعات نتيجة تصادم المصالح.

8. تحول مسار الحرب لصالح فرنسا وبريطانيا بعد أن استهدفت غواصات ألمانية سفن محايدة، كانت بعضها أميركية، فدخلت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب دول الوفاق، وتحولت إلى حرب عالمية.

9. روسيا كانت ثاني الدول التي تخرج من الحرب بعد الثورة البلشفية العام 1917، وتوقيعها معاهدة سلام مع ألمانيا العام 1918، حيث سبقتها بلغاريا في سبتمبر من نفس العام.

10. وصول القوات الأميركية إلى فرنسا عام 1917 ساهم في اجبار الألمان على التراجع، وهزم القوات العثمانية في سوريا ومصر، وإجبار بلغاريا على الإستسلام، فطلبت الدولة العثمانية الصلح في أكتوبر 1918، ومن بعدها النمسا، ولحقتهم ألمانيا في 11 نوفمبر 1918، وفق ما سمي بمبادئ ويلسون.

11. 8 أغسطس كان يوما أسود في تاريخ الألمان، حيث بدأت هزائمهم وتم أسر حوالي ربع مليون ألماني، خلال 3 أشهر.

12. هذه الحرب أدت إلى تغيير الخارطة السياسية والجغرافية في العالم، تفككت الإمبراطورية العثمانية وأدت إلى قيام جمهورية في ألمانيا والثورة البلشفية في روسيا وإنهاء عهد القياصرة، وانهيار الإمبراطورية النمساوية.

13. ظهرت دول جديدة كالمجر وتشيوسلوفاكيا ويوغوسلافيا، وخضعت دول آسيوية وأفريقية للاستعمار الفرنسي والبريطاني، واستعادت فرنسا منطقتي الألزاس واللورين، وتم ضم 24 ألف ميل مربع من الأراضي الألمانية إلى بولندا والدانمارك وتشيكوسلوفاكيا.

14. 9 ملايين شخص ناهيكم عن الجرحى والمعاقين، كانت نتيجة هذه الحرب، بالإضافة إلى الدمار الذي لحق بالمدن والحقول وطرق النقل.

15. تشكيل عصبة الأمم، باقتراح من الرئيس الأمبركي ويلسون خلال عقد مؤتمر السلام في نياير 1919 بباريس، بحضور الدول المتصارعة.

16. نهاية الحرب العالمية الأولى شكلت مأساة للعرب، حيث طبقت فرنسا وبريطانيا اتفاقية سايكس بيكو، وتقديم وعد بلفور لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

تعليقات

تعليقات