تشهد فرنسا أمراً نادراً في حياتها السياسية مع طرح مذكرتين بحجب الثقة عن الحكومة اليوم الثلاثاء في البرلمان في أعقاب قضية بينالا، تأمل المعارضة من خلالهما في استعادة زخم بعد الهزيمة النكراء التي ألحقها بها إيمانويل ماكرون في انتخابات العام الماضي الرئاسية.

وغالباً ما تقدم في فرنسا مذكرات بحجب الثقة يمكن أن تؤدي إلى إسقاط الحكومة في حال إقرارها، وقد قدمت أكثر من مئة منها منذ 1958، غير أنها أول مرة تلجأ المعارضة إلى هذه الوسيلة منذ فوز ماكرون بالرئاسة العام الماضي، كما أنها أول مرة منذ 1980 تقدم فيها مذكرتان في الوقت ذاته.

ولم يقر البرلمان الفرنسي في تاريخ هذا البلد سوى مذكرة واحدة عام 1962، قضت بحجب الثقة عن حكومة جورج بومبيدو وأدت إلى إسقاطها. ولا تحظى المذكرتان اللتان ستجري مناقشتهما اليوم في الجمعية الوطنية بأي فرصة في إقرارهما، إذ تقتصر كتلة حزب «الجمهوريون» (معارضة يمينية) على 103 نواب وكتلة اليسار على 63 نائباً، ولا يمكنهما بالتالي جمع الغالبية المطلوبة لإسقاط الحكومة وقدرها 289 صوتاً.

لكن المطلوب ليس إسقاط الحكومة، بل تسعى المذكرتان بحسب صيغة تكاد تكون مماثلة بينهما في مواجهة «أزمة مؤسساتية»، إلى إرغام الحكومة على «تبرير نفسها» والتنديد بـ«تعتيم» يمنع جلاء «الحقيقة» حول قضية المعاون الأمني السابق للرئيس ألكسندر بينالا الملاحق بتهمة ارتكاب أعمال عنف بحق متظاهرين في الأول من مايو.

وأبعد من ذلك، توفر المذكرتان اللتان قدمهما اليمين واليسار في حدث استثنائي، فرصة للمعارضين من الطرفين لإعادة ترتيب صفوفهم بعدما ضعضعهم فوز ماكرون بالرئاسة. يأتي هذا في وقت تراجعت شعبية ماكرون، إثر انتشار أنباء فضيحة حارسه الشخصي الذي رصدته الكاميرات وهو يعتدي على متظاهرين بقسوة. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية، أمس، عن عدد من الخبراء أن الفضيحة أضرت شعبية ماكرون، لكنها لم تؤد إلى انهيارها.

وانفجرت الفضيحة في وقت سابق من يوليو الجاري، عندما تداول رواد مواقع التواصل فيديو وصوراً تظهر، أليكساندر بينالا، وهو موظف مكلف بمهمة الحراسة في ديوان ماكرون، أثناء ضربه متظاهرين في باريس، متجاوزاً بذلك صلاحياته ومتصرفاً على نحو وصف بالعنيف. وفي حين أن ماكرون اعتبر مسألة بينالا «زوبعة في فنجان»، اعتبرها آخرون سماً بطيئاً قد يعاني منه طوال ولايته.

وحسب استطلاع أجرته مؤسسة «إيلاب للدراسات»، فإن 8 فرنسيين من أصل 10 شعروا بـ«الصدمة» جراء قضية حارس ماكرون، في حين اعتبر اثنان من أصل ثلاثة وفق مؤسسة «أوبينيون واي»، أنها مسألة «خطيرة». وأفادت مؤسسة «إيبسوس» أن ماكرون تراجع أربع نقاط بنهاية يوليو الجاري، وبات يتمتع بـ32 في المئة فقط من الآراء الإيجابية، وهي أدنى نسبة له منذ سبتمبر الماضي.