شاطرت رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أردرن، النيوزيلنديين مشاعرهم أخيراً، عندما ظهرت في فيديو ترويجي «فكاهي»، متسائلة عن سبب اختفاء بلادها من خرائط العالم، وذلك في إطلالة إعلامية جديدة لتلك المرأة الثلاثينية، منسقة الأغاني «دي جيه»، التي صعدت إلى هرم السلطة لأنها تمتلك أدوات العصر وثقافته بما في ذلك الخطاب الشعبوي في بلاد حكمها لفترة طويلة سياسيون من النخبة لم يعيروا الشباب والنساء كثير اهتمام.

الفيديو تلقى ردود أفعال متباينة، بين من رآه مضحكاً للغاية، أو سخيفاً تماماً، فيما انتقدها البعض لبقائها لأوقات طويلة أمام الكاميرات.

وتظهر أردرن في الفيديو الذي أعدته مؤسسة الترويج السياحي «توريزم نيوزيلند»، وهي تتحدث على الهاتف مع الفكاهي النيوزيلندي رايس داربي الذي يحذرها من «مؤامرة كبرى» تستهدف شطب نيوزيلندا من خارطة العالم.

إعلان تلفزيوني

كانت هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية (بي بي سي) أعدت برنامجاً في نوفمبر 2017 عن اسم البلد المفقود على خريطة العالم، فلم يلحظ سوى عدد محدود من الجمهور الإنجليزي غياب نيوزيلندا.

وتمثل رئيسة الوزراء دوراً رئيسياً في الفيديو الذي صدر ضمن حملة ساعدونا #لنضع نيوزيلندا على الخريطة، وهي قد تكون بين زعماء دول العالم الأكثر نشاطاً على وسائل التواصل الاجتماعي. ويعتقد المحللون أن سنها وجنسها وحرصها على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، كانت من الأسباب الرئيسية لنجاحها الانتخابي في بلاد كان يحكمها لفترة طويلة سياسيون مملون لا يعيرون الناخبين الشباب والنساء الكثير من الاهتمام، وهي إلى جانب ذلك، تبدو واثقة من نفسها متواضعة دائمة الابتسام ومقربة من الناس.

وكان عملها في مجال تنسيق الأغاني في الحفلات الموسيقية (دي جيه) قد قربها من جيل الشباب واهتماماتهم، لتواصل لقاءها معهم وإطلاعها على المشهد الثقافي الموسيقي على الرغم من كثرة انشغالاتها. الشهر الماضي، دعت المغني إد شيرين إلى منزلها، حيث تم التقاط صورة مشتركة لهما، كما قامت بإعداد لائحة تشغيل بأشهر الألحان الموسيقية في نيوزيلندا، مازجة أغنيات حققت نجاحاً في الآونة الأخيرة مع نغمات نيوزيلاندية كلاسيكية، وتقول إن ذكريات مسقط رأسها كانت من الأشياء المحببة لنفسها خارج البلاد، مثل «رؤية فرقة شيهاد تعزف في «وايلينغ بونغو» عندما كانت طالبة جامعية في نيوزيلندا، ورؤية الملحن دون ماكغلاشين يلتقط لحظة مهمة من تاريخ نيوزيلندا، وسماع المغني دايف دوبن يفتح نصباً تذكارياً للحرب في زاوية في هايد بارك بلندن، أو الرقص في الليل على أنغام شايب شفتر».

السياسية الحامل

حصدت جاسيندا الكثير من المؤيدين ضمن النساء أيضاً، بعد ردها على سؤال وجهه إليها أحد مقدمي البرامج الإذاعية عما إذا كانت تخطط للإنجاب، فأجابته أنها كرئيسة وزراء سوف تقبل بالرد عليه، لكن: «من غير المقبول أن تضطر النساء في عام 2017 للإجابة عن هذا السؤال في مكان العمل»، وهو ما أثار موجة ما يسمى «الهوس بجاسيندا».

ثم بعد إعلانها أنها حامل زادت الاندفاعة تجاهها، لا سيما عندما غردت على «تويتر» أن زوجها مقدم برامج صيد السمك كلارك غايفورد سيصبح الراعي الأساسي للطفل. فعلقت النائبة السابقة لزعيم حزب العمال البريطاني، هارييت هارمان: «نيوزيلندا تقود الطريق لنا». ورأت الزعيمة السابقة لحزب الخضر في بريطانيا ناتالي بنيت «معلم آخر للنساء في السياسة»، وبعد المقابلة الكارثية التي أجراها معها برنامج «60 دقيقة»، اندفع كثيرون للدفاع عنها في وجه الاستجواب الذي تعرضت له على يد مقدم البرنامج تشارلز وولي عن ظروف حبلها بطفلها. وحالياً من المتوقع أن تأخذ أردرن إجازة أمومة لمدة ستة أسابيع، في شهر يونيو، على أن يتولى خلال ذلك نائب رئيس الوزراء ونستون بيترز الأمور، لتصبح بذلك ثاني زعيمة منتخبة تلد وهي في السلطة، بعد رئيسة وزراء باكستان السابقة بنازير بوتو.

وتعد جاسيندا أصغر زعيمة تتولى رئاسة الوزراء في العالم، ولم يكن قد مضى على انتخابها زعيمة حزب العمال سوى سبعة أسابيع عندما قلبت الرأي العام، وفازت بالمنصب فجأة بعمر 37 عاماً. يتحدث الكاتب كريس تروتر عن إلهامها للشباب، فيقول: «إن جيل الألفية الذي تتحدث إليه جاسيندا ليس مستعداً للوعود الكبيرة والمنظومات الشاملة والأيديولوجيات التي لا تلين» كالجيل الذي سبقه. برنامجها اعتمد الإيجابية والتفاؤل مع شعار «لنفعل ذلك»، وقد قالت دوماً إنها تريد نوعاً أكثر لطفاً من السياسة. وفي خطاب أمام البرلمان قالت في إحدى المرات: «البعض سألني ما إذا كنت راديكالية، فكانت إجابتي أنا من مورينسفيل»، أي تلك المنطقة الريفية العمالية المحافظة.

أشبه بالحلم

يعرف عن أردرن ترعرعها ضمن طائفة المورمون التي تركتها لاحقاً في العشرينات بسبب معتقداتها المحافظة تجاه النساء، وقد أعربت عن أن اهتمامها بالسياسة بدأ بعد مشاهدة البؤس والحرمان في مجتمعها الريفي، وقد بدأت تتقن خوض الحملات على مقاعد الدراسة. يقول جون انغر ناظر المدرسة الثانوية حيث تعلمت أردرن، إنها قامت بتأسيس مجموعة للعفو الدولية، وقادت حملة ناجحة للسماح للنساء بارتداء السراويل بدلاً من التنانير، وقد هزت الجمهور في مسابقات الخطابة. وفي عام 1998، أفاد زملاؤها أنها قد تصبح رئيسة وزراء، وإن كان ذلك على سبيل السخرية منها.

ولاحقاً درست أردرن السياسة والعلاقات العامة وأمضت فصلاً في جامعة «أريزونا»، وتطوعت في حملات حقوق العمال، وعملت مستشارة عند رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير قبل دخولها برلمان نيوزيلندا في عام 2008، وكانت بعمر 28 عاماً. تعود الأولوية في برنامجها للأطفال الفقراء وأسرهم، وقضايا البيئة وهي وعدت الشباب بتعليم ثانوي مجاني.

المحافظون يصفون جاذبيتها بـ «بالشعور اللطيف الأشبه بالحلم»، وبأنها ديمقراطية اشتراكية مثالية ساذجة تفتقر للخبرة، ويراهنون على أن ينطفئ «الهوس بجاسيندا»، بعد فضيحة الاعتداءات الجنسية داخل المخيم الصيفي لحزب العمال، لكن هناك من يعتقد أن بريقها سيستمر لفترة طويلة لما تجسده من رمز لثقافة العصر وحقوق النساء العاملات، مع احتمال امتداد تأثيرها خارج نيوزيلندا.