بفارق كبير عن منافسيه، فاز فلاديمير بوتين بمنصب الرئاسة في روسيا، في حدث تجاوز الاهتمام به حدود البلاد، بعد أن أصبح حديث وسائل الإعلام الأجنبية وعلى رأسها الأوروبية والأميركية.
ووفق المعهد المركزي الروسي لدراسة الرأي العام فقد أعرب 87 في المئة من الروس عن رضاهم عن سير الانتحابات، وهو أعلى مؤشّر تشهده الإنتخابات الرئاسية في روسيا منذ العام 1991، فيما تعتبر المرة الأولى التي يحصل فيها مرشّح لمنصب الرئاسة على أكثر من نصف أصوات ممن يملكون حق التصويت والبالغ عددهم 108.9 ملايين ناخب.
ويتوقع أغلبية المراقبين والخبراء الروس أن يدفع حجم التأييد الشعبي الذي حصل عليه بوتين في الانتخابات، إلى اتخاذ قرارات وسياسات جديدة، تثبت لقاعدته الشعبية ولكافة المواطنين بأن التجديد لولاية رئاسية جديدة له كان قراراً صائباً.
ويواجه بوتين تحديات داخلية كبيرة تتمثّل في تطوير الاقتصاد عبر التركيز على تطوير رأس المال البشري وتحسين البنى التحتية، ومحاربة الفساد، وتدعيم القدرات الدفاعية للدولة. ويقول المدير العام لمركز المعلومات السياسية ألكسي موخين، إنّه وحتى إدارة الرئيس لم تكن تتوقع هذا النصر الكاسح، لاسيما بالنظر إلى غياب أية شكاوى ذات وزن سواء لدى المراقبين أوالمشاركين في المعركة الانتخابية.
وأشار موخين إلى أنّه أصبح من الصعب حالياً الفصل بين السياستين الداخلية والخارجية، لافتاً إلى أنّ الوضع الداخلي كانت له تأثيراته عبر الدعوات التي أطلقتها بعض القوى السياسية لمقاطعة الانتخابات، والتي جاءت بنتائج عكسية، إذ أظهرت نتائج الاستطلاع التي أجريت قبيل الانتخابات وبعدها، أنّ نسبة لا يستهان بها ممن قرّر مقاطعة الاقتراع تراجع عن قراره وشارك في التصويت.
ولفت موخين إلى أنّ الحملة الانتخابية لم تكن بالسهلة كما يتصور الكثيرون، إذ واجهت الماكينة الانتخابية لبوتين حملات دعائية ضد سياسة روسيا الخارجية في أكثر من مكان حول العالم، وأعادت الترويج لادعاء وقوف الكرملين وراء اختراق قواعد البيانات الانتخابية في الولايات المتحدة، فضلاً عن اتهام لندن للاستخبارات الروسية بتسمم العميل السابق سكريبال.
مفاجأة
بدوره، اعتبر الخبير في الشؤون الروسية دميتري بابيتش، أن نتائج الانتخابات كانت متوقعة، وقاربت إلى حد كبير توقعات مراكز الاستطلاعات أو المراقبين للشأن الروسي، مشيراً إلى أنّ المفاجأة كانت في حجم المشاركة، وعدم حصول خروقات جدية تشكّك في جدارة انتصار بوتين في الانتخابات.
وأشار إلى أنه للمرة الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي في روسيا جرى في الانتخابات الرئاسية الروسية تمثيل كافة التيارات السياسية والعقائدية الموجودة، من الشيوعيين والليبراليين والاشتراكيين والقوميين وغيرهم، موضحاً أنّ الغرب ساهم دون أن يقصد في تدعيم شعبية بوتين عبر سلسلة العقوبات والتلميح بفرض رزمة إضافية من بينها عقوبات أخرى، في محاولة للتأثير على الرأي العام داخل روسيا، إلّا أنّ النتيجة كانت مزيداً من الالتفاف حول سياسة بوتين الخارجية، رغم التحفظات وعدم الرضى لدى شرائح واسعة من المجتمع تجاه الوضع الاقتصادي الراهن.
تفاؤل حذر
في المقابل، يشدّد البعض على ضرورة عدم الإفراط في التفاؤل، إذ يرى الخبير في الشؤون الجيوسياسية الجنرال ليونيد إيفاشوف، أنّ الحكومات المتعاقبة عودت المواطنين على أن حل العجز في الميزانية يكمن في ابتكار أشكال جديدة من الضرائب والمخالفات والرسوم وزيادة تكاليف الخدمات العامة، متوقّعاً استمرار الحكومة الجديدة في العمل ضمن هذه الرؤية.
وذكّر إيفاشوف بما أعلنته حكومة مدفيديف أواخر العام الماضي بأنّ مدخول الميزانية من الضرائب والرسوم يتجاوز ما تجنيه الدولة من تصدير الغاز والنفط، مشدّداً على ضرورة المسارعة في الاهتمام بالقطاع الاجتماعي ومحاربة الفقر والبطالة.
ولفت إيفاشوف إلى أنّ 70 مليون شخص في روسيا يعيشون تحت خط الفقر، محذراً من أن استمرار تجاهل الحكومة لأوضاع هذه الشريحة من المواطنين قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي.


