لم تنتظر روسيا كثيراً من الوقت ولم تترك مهلة للتكهنات حول كيفية ردها على إبعاد لندن 23 دبلوماسياً روسياً، على خلفية ما عرف بقضية «سكريبال»، فقامت بإبعاد العدد ذاته من الدبلوماسيين البريطانيين ملحقة هذا القرار برفض فتح قنصلية بريطانية في سانت بطرسبورغ، ومنع المجلس البريطاني من مزاولة نشاطاته على الأراضي الروسية.

ورغم أنها ليست المرة الأولى التي يتبادل فيها البلدان طرد الدبلوماسيين لأسباب شتى، إلا أن ما حصل أخيراً، لم يكن خلافاً موضعياً وطارئاً، إنما في سياق تراكمات كمية ونوعية من تصادم المصالح والمواقف، لم يسبق أن حصل منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

ويرى الباحث في الشؤون الدولية ألكسندر خالديي، أن تقييم الواقع الحالي للعلاقات الروسية مع بلدان الغرب ومستقبل العلاقات بينهما يجب أن ينطلق من إدراك الخطر الذي يشكله انبعاث «الإمبراطورية الروسية» على الغرب، وعلى هذا الأساس تحديداً يمكن استقراء تطور الصراع في الملفين الأوكراني والسوري، بموازاة مستقبل العقوبات واحتمال المواجهة العسكرية المباشرة.

خالديي يعتبر كذلك روسيا كانت وستبقى الكابوس الحقيقي للولايات المتحدة والغرب، وليست الصواريخ الكورية الشمالية، ولا الملف النووي الإيراني ولا حتى الصين. ويضيف أن رهان الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين على الضعف النسبي للاقتصاد الروسي هو رهان خاطئ لأن المساحة الشاسعة لروسيا والثروات الهائلة التي تملكها، إلى جانب منظومة الحماية النووية التي تتمتع بها، كافية لدرء أي تهديد عسكري مباشر محتمل.

تصعيد

وحول قراءته للرد الروسي بطرد الدبلوماسيين البريطانيين، رأى الخبير الروسي أن موسكو أرادت إفهام لندن أنها لا تهدف إلى مزيد من التصعيد، لكنها في الوقت نفسه وجهت إنذاراً من مغبة قيام بريطانيا بإجراءات إضافية، عبر إلغاء موافقتها على فتح قنصلية بريطانية في سانت بطرسبورغ، ومنع المجلس البريطاني في روسيا من ممارسة نشاطاته.

أما مدير مركز الدراسات السياسية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، سيرغي شميلوف فيقول إن روسيا، وطوال العام الماضي، لم تغب يوماً عن صفحات وشاشات وسائل الإعلام الغربية. كما لم يتوقف كيل الاتهامات ضدها حتى هذه اللحظة، وكما هو دائماً دون تقديم أي أدلة دامغة، كما حصل في قضية تسميم سكريبال في لندن.

ويفسر الخبير الروسي ارتفاع منسوب التوتر بين روسيا والمعسكر الغربي عموماً بالتنافر الحاد خصوصاً في الملفين الأوكراني والسوري. فمستوى التحدي مع الغرب في الملف السوري يكاد يصل إلى المواجهة العسكرية المباشرة، ويعبر عن ذلك بوضوح تصريح قائد هيئة الأركان الروسية فاليري غيراسيموف بأن موسكو ستسقط أي طائرات أو صواريخ أميركية في حال مهاجمتها للعاصمة السورية دمشق.

عقوبات

ويضيف أن العام سيشهد في المرحلة المقبلة، مرحلة جديدة من الحرب الباردة بين الطرفين، لن يوفر فيها الغرب أي وسيلة لإيذاء روسيا وإضعافها. ولا يستبعد أن تقوم بريطانيا بتجميد الأصول الروسية، وأن تنضم إليها في ذلك الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى فصل روسيا عن نظام «سويفت» للتعاملات البنكية.