لم يمهله الأطباء إلا بضع سنوات، لكن شاءت الأقدار أن يحيا بيننا 50 سنة إضافية، متجاوزاً بنصف قرن، الفترة التي توقعوها له بعد إصابته بمرض «التصلب الجانبي الضموري»، فقد كرس ستيفن هوكينغ حياته، التي بقيت هائمة فوق حافة الوجود والعدم، لفهم أسرار الكون، وحتى قبل أن يُسدل الستار عن روحه، كان قد ترك لنا زاداً من الأفكار، وسّعت حدود إدراكنا للزمان والمكان، علاوة على مواقف إنسانية جريئة دعمت قضايانا العادلة.
قبل وفاته، قال إنه يعرف تماماً ما يريد نقشه على شاهد قبره، إنها معادلته الفيزيائية التي تختزل أهم اكتشافاته حول الثقوب السوداء، المادة التي تبتلع كل ما يحيط بها، وكان اهتمامه منصباً على إثبات أنها ليست ميتة تماماً، بل ينبعث منها إشعاع وطاقة، ربما كجسده تماماً.
وكان المرض قد أقعده سجين الكرسي المتحرك معظم حياته، لكنه حلق بعقله، مستلهماً من مأساته درساً مهماً، سيأخذه نهجاً في حياته، قال يوماً: «علمني مرضي ألا أشفق على نفسي، لأن هناك آخرين في وضع أسوأ مني، وأن أمضي بما يمكنني القيام به»، وكان هناك الكثير مما أراد إنجازه، وبمرور الوقت، أصبح أكثر سعادة، ويوضح مشاعره بالقول: «توقعاتي تقلصت إلى الصفر، عندما كنت في الـ 21 من عمري، وكان كل شيء منذ ذلك الحين مكافأة بالنسبة لي».
آلة زمن
حاول هوكينغ أن يعيش حياته بشكل طبيعي قدر الإمكان. وكان يميل إلى الموسيقى والأطعمة الطيبة والفكاهة. وقال في أحد الأيام، إنه لو تسنى له امتلاك آلة زمن، لزار مارلين مونرو في عصرها الذهبي، ومر بغاليليو، بينما كان يوجه التلسكوب إلى السماء.
على باب غرفته ملصق لمونرو، تلك الصورة الشهيرة التي يتطاير فيها ذيل فستانها، وقد تزوج وطلق مرتين، المرة الأولى من زوجته جاين، التي أنجب منها ثلاثة أولاد، والمرة الثانية من ممرضته ألين مايسون عام 1995، التي تطلق منها في عام 2006.
مذكرات منفصلة
ويسرد كل من هوكينغ وزوجته جاين في مذكرات منفصلة، نظرتهما للأحداث التي أدت إلى طلاقهما، وتلك السنوات الصعبة التي عاشاها معاً خلال اعتلال صحته، والشهرة، وولادة أطفالهما الثلاثة، التي تركت جاين «في ثقب أسود من اليأس»، حسب قولها.
في مذكراتها «رحلة إلى اللا نهاية، حياتي مع ستيفن»، تصف زوجته الأولى رؤيتها له للمرة الأولى عام 1963، فيما كانت تسير في الشارع مع صديقتها: «لم نبعد إلا مئات الياردات، عندما لفت نظرنا منظر غريب: كان مسرعاً في الاتجاه المعاكس شاب بمشية غريبة، رأسه حتى وجهه مخفي تحت كتلة من الشعر البني المقصوص بشكل مستقيم». بعد أشهر، التقيا في حفل. وكان هاوكينغ بعمر 21 عاماً، طالباً في الكونيات في جامعة كامبريدج، وبعد ذلك بفترة وجيزة، علمت بشأن مرضه الرهيب، الذي لا شفاء منه. وقالت لها صديقتها إنه: «ربما قد يعيش سنوات معدودة». لكنها متجاهلة كل التحذيرات، وقعت في حبه، وتزوجا في عام 1965. وقالت في مقابلة عام 2015: «كانت عيناه جميلتين، ولديه إحساس مذهل بالفكاهة، وكنا نضحك دوماً». وخلافاً لتوقعات الأطباء الكئيبة، دام زواجهما لربع قرن.
لكن زواجهما كان في أزمة مطولة عام 1985، عندما دخلت الممرضة ألين مايسون حياتهما. كانت إصابته بالالتهاب الرئوي، قد جعلته عاجزاً عن الكلام، فصنع زوج ألين، المهندس ديفيد مايسون، الصندوق الصوتي الذي أوجد نغمة الروبوت المعروف بها.
ومع صدور كتاب هوكينغ الأكثر مبيعاً «تاريخ موجز للزمن» عام 1988، ازدادت الأمور بينهما سوءاً، إذ جذب إلى حياتهما كل أنواع البشر، حسبما تقول جاين، التي تقربت في تلك الأثناء من صديق العائلة، قائد الجوقة الغنائية جوناثان هيلير جونز، بسبب شعورها بالاكتئاب. وتصف في مذكراتها المكتوبة، والتي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي بعنوان «نظرية كل شيء»، من بطولة أدي ردماين، العزلة التي شعرت بها، وغياب الحميمية، وخوفها من ممارسة العلاقة الحميمة مع زوجها في حال مات بين ذراعيها، لكنها تقول: «شعرت بالتزام كبير تجاه ستيفن، اعتقدت أنه لن يتمكن من تدبر أموره من دوني، وأردته الاستمرار في القيام بعمله الرائع، وأردت أيضاً أن تكون للأطفال أسرة مستقرة، فاستمررنا».
ثم في 2013، كتب ستيفن نسخته عن الأحداث في مذكرات بعنوان «تاريخي بايجاز»، سارداً كيف منح بركته إلى صداقة زوجته مع جونز التي تزوجته عام 1997، بعد سنتين من طلاقها منه. فيذكر أنها كانت قلقة حيال موته، فأرادت شخصاً يمنحها الأطفال والدعم، فوجدت جوناثان.
حياة عاصفة
لكن ستيفن هو من أنهى زواجهما في عام 1990. واقترن بعد خمس سنوات، بممرضته ألين في حفل قاطعه أولاده. وكان زواجه الثاني الذي دام 11 عاماً، مليئاً بالمشكلات، مع ادعاءات بأن ألين كانت تسيء معاملته جسدياً، وهي مزاعم لطالما نفاها ستيفن، كاتباً في مذكراته: «كان زواجي من ألين عاطفياً وعاصفاً، كانت لدينا خلافات، لكن ألين كممرضة، أنقذت حياتي في مناسبات عدة». أما تلك الفترة بالنسبة لابنته، فكانت «أوقاتاً كارثية» و«لحظة سقوط في ثقب أسود»، حسبما تقول.
لكن هوكينغ، الذي عاش حياته مقعداً، كتب في مذكراته عام 2013: «الآن بعد 50 عاماً، يمكنني أن أكون راضياً تماماً عن حياتي».
وعندما سئل كيف يجب أن نعيش؟، قال: «علينا أن نسعى وراء القيم الأعظم لأفعالنا». أما بالنسبة إلى فلسفته في الحياة، فقد دعا للتطلع إلى النجوم، وعدم التخلي عن العمل، لأنه يمنح معنى وهدفاً، فيما الحياة من دونه فارغة. أما إذا كان المرء محظوظاً بما فيه الكفاية في إيجاد الحب، فنصح بتذكر وجوده وعدم رميه بعيداً.
قد يكون هوكينع أنهى حياته راضياً عن نفسه، إلا أن حس التشاؤم بشأن أوضاع الكون لم يفارقه يوماً، كتب يقول: «لاحظت أنه حتى الناس الذين يرون أن كل شيء مقدر، ينظرون قبل عبور الطريق»، وقد أعرب عن اعتقاده بأن شكل الحياة الجديد، الذي أوجده البشر حتى اليوم، مدمر تماماً.
وكانت له مواقف سياسية عدة تخص منطقتنا، فقد وقف ضد غزو العراق، وقاطع مؤتمراً علمياً عقد في إسرائيل، فشكل اعترافه بعدالة القضية الفلسطينية، نقطة تحول في حملة مقاطعة الكيان الصهيوني.
يكمن جزء كبير من إنجازاته، في اهتمامه الشديد بإيصال المعارف إلى عامة الناس، حيث ترك لنا الكتاب العلمي الأكثر رواجاً «تاريخ موجز للزمن»، الذي أصبح ضمن ثقافة البوب.
