#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

روسيا وأميركا.. عودة لعبة شد الحبال النووية

صورة

«روسيا تشكل خطراً وجودياً على الولايات المتحدة الأميركية وبوتين يعلم محدودية أنظمتنا الصاروخية». هكذا علّق جيمس كلابر، الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) على حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الأسلحة الروسية الجديدة، بما فيها الصاروخ الذي وصفه بأنه «لا يقهر».

بين إلقاء شعاع الضوء على روسيا ووضع الدائرة على بوتين نفسه، تراوحت قراءة الخطاب الأخير للرئيس بوتين أول مارس الحالي، والذي وضعته وسائل إعلام عديدة في الغرب تحت عنوان «خطاب الصواريخ»، فيما ذهب بعضها لوصفه بأنه خطاب مزلزل، واعتبره آخرون أنه عودة للعبة شد الحبال النووية، وصفحة جديدة في الحرب الباردة التي عادة على نحو متدرّج ومتصاعد منذ دخول «القيصر» عتبة الكرملين، وهو القادم من أروقة المخابرات السوفييتية ثم الروسية «كي جي بي».

موسكو وضعت كلام بوتين في سياق الدفاع وليس الهجوم، وتبنى معظم المحللين ووسائل الإعلام ما ورد في خطاب بوتين من تحميل لواشنطن وحلفائها الغربيين مسؤولية التوجّه الروسي الكثيف نحو تطوير الأسلحة. وكتبت الخبيرة إيلينا إيغوروفا إن بوتين لأول مرة، يولي (في خطابه) اهتماماً غير مسبوق للمسائل الأمنية، ولا سيما الأنواع الجديدة من الأسلحة التي «لا يملكها أحد بعد».

وتحدّث بوتين عن أنواع جديدة من الأسلحة التي «اضطرت» روسيا إلى تطويرها رداً على نشر أنظمة الدفاع الصاروخية الأميركية وانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية.

عرض القوة

أثناء خطاب بوتين، وطوال 45 دقيقة، حلقت أمام أعين المتابعين (على شاشة عملاقة) الصواريخ البالستية العابرة للقارات والصواريخ المجنّحة المزوّدة بطاقة نووية فائقة القوة، وناقلات الصواريخ فوق الصوتية، وغواصة نووية مسيّرة فائقة السرعة تسير بالوقود النووي، وقادرة على حمل رؤوس نووية.

صحيح أن بوتين قال إن روسيا، من خلال تطوير أنواع جديدة من الأسلحة، لا تهدّد أحداً ولن تهاجم أحداً، وإنها صمّمت قوّتها المتنامية للحفاظ على التوازن الاستراتيجي وتوازن القوى في العالم الذي حاولت الولايات المتحدة كسره، لكنّ، وبإجماع المراقبين، فإن خطابه لا يخلو من تهديد، إن لم يكن فحواه بالمجمل رسالة تهديدية. وقد اتضح ذلك من جملة من قال في تأكيده عالي النبرة «إذا هاجم أحد روسيا أو حلفاءها، فالرد سيكون مباشراً وفورياً، مع كل العواقب المترتبة عليه».

لمن الرسالة؟

وحسب إيغوروفا فإن هذا الجزء من الرسالة موجّه على حد سواء إلى كل الخارج وجمهور الداخل، حيث أشارت إلى أن في روسيا مؤيدين لـ«حزب الحرب»، الذين، استناداً إلى استطلاعات الرأي، عددهم غير قليل بين الناخبين الروس، وأن هؤلاء يمكن أن يطمئنوا إلى أن لعبة العضلات سوف تستمر في السنوات المقبلة.

لم يسبق لروسيا أن قدمت هذا الاستعراض منذ الحقبة السوفييتية، وهي بذلك توجه رسائل متعددة الاتجاهات. فالعرض الذي رافق خطاب بوتين على نحو إخراجي مدروس، تضمّن أنواعاً من أسلحة الرد على الدرع الصاروخية التي تعمل أميركا على إنشائها بهدف محاصرة روسيا، كما تقول موسكو، ولا سيما في رومانيا وبولندا.

جدية التهديد

صحيفة «الاندبندت» البريطانية تؤكد هذه الرسائل إذ قالت إن الصواريخ الثقيلة المعروضة وصواريخ «كروز» الموجهة وكذلك صاروخ «سامارت» غير المحدود بمدى معيّن، ليست «لإشغال الجمهور إلى حدّ ما» كما علقت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت، إنما هي دليل على جدّية موسكو في إظهار قدرتها على الردع، ودعوة واشنطن لأن تأخذ هذا التهديد على محمل الجدّ.

سيرغي لافروف يشير إلى المساعي الأميركية في دول البلقان التي تقف بين روسيا من جهة، وبين واشنطن وبروكسل من جهة ثانية.

لكن المتحدثة باسم البنتاغون دانا وايت هوّنت من هول القدرة الصاروخية الروسية بقولها «إنها قيد التطوير منذ فترة وهي ضمن اعتباراتنا السابقة» كأنها لا تساوي شيئاً في موازين القوى الدولية «لأن القوات الأميركية الاستراتيجية على أتم الاستعداد»، خلافاً لما يحذّر منه المختصون القلقون على وضع العالم على حافة الهاوية.

سباق التسلّح

يبدو أن الإدارة الأميركية تحاول استنساخ سباق التسلّح الذي أدّى سابقاً إلى إفلاس الاتحاد السوفييتي وانتصار الغرب في الحرب الباردة. لكن في هذا المجال أعرب بوتين منذ مدة طويلة عن نقد ميخائيل غورباتشوف بشكل لاذع لأنه تراجع إلى الخلف في تقديم هدايا مجانية لأميركا ولم يضع السلاح موضع الفصل. كما أن خبراء يعتبرون أن هذه المقاربة الأميركية، إن وجدت، لا تضع بالاعتبار الفوارق بين الاتحاد السوفييتي الأيديولوجي وروسيا البراغماتية. الاتحاد السوفييتي كان يمنح كثيراً من حلفائه والقوى الأيديولوجية التي كانت تدور في فلكه، السلاح مجاناً أو بأسعار رمزية، أما روسيا فقد تحوّلت إلى سوق للسلاح وليست فقط مانحة له.

الرئيس الأسبق لـ«سي آي إيه» جيمس كلابر يقول: «بالنسبة لي يتعلق الأمر ببوتين ذاته أكثر من أن يكون رسالة موجهة، نعم روسيا تشكل خطراً وجودياً على الولايات المتحدة الأميركية. وبيننا نحن الاثنين يمكننا تفجير بعضنا البعض مرات عديدة.. ويعكس هذا باعتقادي أيضاً هاجس بوتين في ما يتعلق بمنظومتنا الدفاعية الصاروخية، أنا متأكد من أنه والروس يعلمون محدودية منظومتنا في الوقت الحالي، وأنها ليست مصمّمة لإحباط هجوم نووي شامل من روسيا» ووصف خطاب بوتين الأخير بأنه «أشبه بشخص يطرق بملعقته على كرسي خشبي للفت الانتباه».

العقيدة الأميركية

في خلفيةِ الإعلان النووي الروسي، تظهر ضمناً وثيقة العقيدة النووية الأميركية الجديدة لهذا العام، والتي أعلن عنها في الثاني من فبراير الفائت، وليست أية اعتبارات تكتيكية أو آنية.

العقيدة الأميركية تضمنت السعي لتحديث «الثالوث النووي» للولايات المتحدة، والذي يتضمن الطيران الاستراتيجي والصواريخَ الباليستية العابرة للقارات والغواصات الحاملة للرؤوس النووية. إضافةً لذلك خطة البنتاغون لتقليصِ قوة القنابل النووية مع زيادة مداها، من خلال تزويد الصواريخ الباليستية النووية العابرة للقارات من طراز «تريدنت» المثبتة على الغواصات النووية بالرؤوس النووية الجديدة، ما سيتيح تحويل تلك الصواريخ إلى سلاحٍ نوويٍ تكتيكي، في واقع الأمر.

بعضُ الخبراء وصف هذه العقيدة النووية الأميركية الجديدة باستراتيجية «حرب نووية محدودة»، تعتمد على توجيه ضربةٍ نووية على نطاقٍ ضيق، من دون إلحاق «ضررٍ مدمر» في الولاياتِ المتحدة. لكن بوتين وصف هذه العقيدة النووية بالمقلقة، وقال إنّ منظمةَ حلفِ شمالِ الأطلسي تبني دفاعاتٍ على الحدودِ الروسية ولكنّ «الصناعات الروسية ستجعل من تلك الدفاعات غير فعالة».

العقيدة الأميركية اعتبرت أنّ روسيا ترفضُ جهود الولاياتِ المتحدة الراميةِ إلى تحقيق جولةٍ جديدة من تقليص حجم الترسانات النووية لكل من واشنطن وموسكو، عبر التفاوضِ وتخفيضِ القُدراتِ النووية غير الاستراتيجية.

ثمة من يحذّر من سباق تسلّح جديد، ويضع خطاب بوتين في هذه الزاوية، لكن آخرين يعتقدون أن وجود قوة واحدة جبارة ونووية أشد خطراً على العالم من وجود قوتين متعادلتين، إذ إن التوازن ربما يشكّل رادعاً ملائماً، فإما عالم بلا سلاح دمار شامل، أو عالم يمتلك أكثر من طرف فيه هذا السلاح، وبطبيعة الحال الخيار الأول هو الأفضل والأسلم والأكثر طمأنينية.

تعليقات

تعليقات