بعد ظهوره في عيد ميلاده الـ 93، ومن حوله الألوف من أنصاره يرتدون قمصاناً مزينة بصوره في ريعان شبابه، بدا رئيس زيمبابوي السابق المخلوع روبرت موغابي وحيداً متجهم الوجه في عيده ميلاده الـ 94، أخيراً، وهو جالس إلى جانب زوجته غرايس، في صورة للثنائي تُغني عن ألف كلمة، حسبما يقول الصحافي بريان هنغوي في رسالة وجهها إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية «بي بي سي».

ولا يختلف مصير موغابي عن مصير كثيرين غيره من الزعماء، ممن دارت عليهم الأيام، ويتساءلون الآن ماذا حل بمحبة الناس لهم، وبأولئك الذين كانوا يهرعون للتزلف لهم عندما كانوا في السلطة في أيامهم الأخيرة.

وكان قد ظهر أخيراً في هيئة جديدة غير معهودة أثناء لقائه برئيس الاتحاد الأفريقي موسى فاكي محمد، حيث بدا متعباً وحزيناً، فيما زوجته غرايس تقف إلى جانبه عابسة، وقيل إنه أبلغ محمد «انه استقال من أجل السلام والتنمية في البلاد».

وكان موغابي يتمتع بامتيازات كثيرة، مجسداً الدولة التي قادها لمدة أربعة عقود، وكانت أعياده مليئة بالمظاهر المبهرجة والاحتفالات التي تستغرق فترات طويلة من الاستعدادات، لكن رئيس زيمبابوي السابق سيحتفي هذه المرة بشكل مختلف تماماً، بعد شهرين من استقالته في أعقاب تدخل الجيش لخلعه.

وعلى الرغم من خروجه من السلطة، فإن عيد موغابي لا يزال عطلة رسمية في البلاد، لكن سيحتفي هذا العام في منزله بعيداً عن مظاهر البهرجة والضوضاء، وذلك في اختلاف كبير عن السنوات السابقة، عندما كان يقدم له اتباعه كعكة كبيرة مزخرفة في مكتبه، ويرتدي موغابي الملابس الملونة، وتنطلق الأغاني، وتعزف الموسيقى ويؤدي الراقصون رقصاتهم، في بلاد تقول أوساط المعارضة يكافح كثيرون من أجل وضع الطعام على موائدهم.

وتفيد الأنباء أنه رفض حفلة صغيرة بمناسبة عيد ميلاده الـ 94 من تنظيم شبيبة حزب الاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي، معرباً عن استيائه من طريقة خلعه.

لكن بريان هنغوي يقول إنه على وشك أن يعلم بأن عدداً محدوداً جداً من الناس يمكنهم المطالبة بالحب والاحترام والمودة داخل السلطة، كما في خارجها.

ربما نيلسون مانديلا الذي أصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا يشكل مثالاً نادراً في أفريقيا.

ووفقاً لمصادر إعلامية، كان موغابي يمد يده أخيراً إلى خصومه السابقين، في محاولة ربما لاستيعاب ما حصل معه، وكان بين هؤلاء نائبته السابقة جويس موجورو، التي طردها منذ سنوات قليلة متهماً إياها بالخيانة ومحاولة اغتياله، ومحرضاً ضدها خلال مسيرات الجبهة الوطنية الحاكمة المليئة بالكراهية، بأنها استخدمت سحرة وأغرت رجالاً للاستيلاء على السلطة، واتهامها بهذا الأمر من قبل سيدة القصر الأولى.

وقد اعتذر موغابي عما فعله، وأبلغها وفقاً للمصادر أنه يشعر بالعزلة الشديدة، وقد هجره أصدقاؤه بل حتى أنسباؤه. وكان كمن يوجه النداء إلى جميع الزيمبابويين، كيف لشعبه أن ينساه ويطالب بإزاحته من السلطة؟

يشير هنغوي إلى قادة آخرين في أفريقيا كان مصيرهم مشابه لموغابي، وأن اختلفت سياساتهم وأشكال حكمهم، لكن يبقى الجامع بينهم عجزهم عن تحسين الأوضاع المعيشية لشعوبهم، فيما ذهب بعضهم إلى ممارسات أكثر ميكيافيللية في الحكم.

يشير هنغوي إلى موبوتو سيسي سيكو، الذي حكم زئير (جمهورية كونغو الديمقراطية) لعقود حتى سقوطه في عام 1997. وكان قد ألف ملك الرومبا الكنغولي لومبو ماكيادي كلمات أغنية له من 19 دقيقة عام 1984 تستثير عاطفة الزئيرين للتصويت للمرشح الوحيد في الانتخابات موبوتو التي فاز فيها بنسبة 99.9%. يقول هنغوي إن موبوتو كان يحشد مسيرات كبيرة، مثل موغابي، لكنه اتخذ النصائح الميكافيللية أبعد مما يجب، حيث كان يحتفى به في الشارع باعتباره منقذ البلاد من الفوضى. وهناك قصص عن موبوتو أنه كان يقاطع أشخاصاً رفيعي المستوى أثناء اجتماع على يخته في نهر الكونغو ليصعد إلى السطح لإلقاء التحية على ركاب السفن المارة التي تهتف له. لكن عندما حان وقته، لم يكن أحد يريده. وترك بؤساً وفساداً واقتصاداً راكداً وهرب ليتوفى بعيداً عن أنسبائه وأصدقائه.

وهناك أيضاً جين-بيدل بوكاسا الذي جمع الجشع مع أوهام العظمة، وتوج نفسه إمبراطوراً في جمهورية أفريقيا الوسطى في عام 1977 في حفل تقدر كلفته بعشرات الملايين من الدولارات. لكن عندما أزيح عن السلطة هللت الحشود لذلك، وحُكم عليه بالإعدام غيابياً، وخففت العقوبة إلى السجن المؤبد. يقول هنغوي إن من شاهده يتسكع حول منزله في بانغوي بعد إطلاق سراحه يفيد بأنه كان يلوح لكل من يمر بقربه، لكن قلة من الناس تمكنوا من التعرف عليه، أو ذهبوا للقائه.

المشكلة يقول هنغوي أن أولئك القادة المرتبطين بالفساد لا يدركون مقدار السخط تجاههم إلى أن يفقدوا السلطة.

موغابي كان يسره سماع أناشيد الاستقبال عندما يصل منزله بعد زيارة في الخارج. ثم يقوم بإلقاء خطاباته على أولئك الحاضرين بشأن فضائل الكفاح من أجل تحرير البلاد، لكن في النهاية لم يتمكن من تحسين الأوضاع المعيشية لشعبه. وكان نزول ألوف الناس إلى الشارع للمطالبة باستقالته مشهد الأيام الأخيرة من حكمه.