«إن خطر استخدام الأسلحة النووية أكبر اليوم مما كان عليه في نهاية الحرب الباردة، لكن على خلاف الحرب الباردة، فإننا نواجه اليوم المزيد من الدول المسلحة نووياً والإرهابيين والحروب السيبرانية، وكل هذا يجعلنا أقل شعوراً بالأمان». هذا ما قالته المديرة التنفيذية لحملة القضاء على الأسلحة النووية بياتريس فن في خطاب استلامها جائزة نوبل للسلام لعام 2017، مضيفة في تلميح إلى الوضع المضطرب لبعض القوى النووية، إن «لحظة من الذعر أو الإهمال، تعليق خاطئ أو الأنا مجروحة، قد تؤدي بنا بشكل لا يمكن تجنبه إلى دمار مدن بأكملها».
وكانت التجارب النووية لكوريا الشمالية، وقرع الطبول من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد استحضرت التهديد الوجودي لحرب نووية في الآونة الأخيرة.
وفي مواجهة تلك التهديدات، كانت حركة مناهضة الأسلحة النووية تكتسب زخماً من جديد، حيث صوتت 122 دولة في الأمم المتحدة على معاهدة لحظر الأسلحة النووية بموجب القانون الدولي في 7 يوليو، وذلك بعد 70 عاماً من أول تفجير نووي في نيومكسيكو في يوليو 1945، وكان للحدث أهمية كبيرة، بحيث قدمت لجنة نوبل للسلام جائزتها لعام 2017 إلى «الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية» على جهودها الرائدة في تحقيق ذلك.
بعض المحللين رأوا في المعاهدة، التي وقع عليها حتى الآن 56 دولة، خطوة غير مكتملة، إذ إن أياً من الدول التسع المعروفة بامتلاكها ترسانة نووية لم تصوت لصالحها، بل وأصدرت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بياناً مشتركاً ضدها، جاء فيه: «لا نزمع التوقيع أو التصديق أو الانضمام إليها في أي وقت»، فيما اتخذت الدول غير المسلحة نووياً التي تعتمد على مظلة الردع النووي جانب راعيها النووي.
وعلى الرغم من أن الدول المعارضة لن تكون ملزمة بتطبيق بنودها، إلا أن أنصار المعاهدة يعتبرون التوصل إليها خطوة هامة نحو نزع الشرعية عن تلك الأسلحة، ووضع أنصار الردع النووي على الجانب الخطأ من القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، لا سيما وأن العالم كان يتحول بطرق مثيرة للقلق في الفترة الأخيرة.
توجهات تصعيدية
فقد تطرق الباحثان ريتشارد كلارك وستيفن أندرسن بـصحيفة «واشنطن بوست»، إلى التوجهات الأخيرة المثيرة للقلق للإدارة الأميركية، مشيرين إلى وجود انفصام خطير بين الآثار المروعة للاستخدام ولو المحدود لتلك الأسلحة، وبين إدارة أميركية تبدو عازمة على التهديد باستخدامها في سيناريوهات ما فتأ يتسع مداها، مثل الرد على هجوم سيبراني. وحذر الكاتبان من أن ذكريات هيروشيا وناكازاغي المحترقتين، والرعب الشديد الذي ولدته أزمة الصواريخ الكوبية أو نصب صواريخ نووية متوسطة المدى في أوروبا، لم تعد هي التي تدفع بالسياسات. وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أعلنت أخيراً عن إطلاق سياسة نووية جديدة تقضي بإدخال طرازين من الأسلحة، بتبرير أن السياسة الأميركية السابقة الداعية لتقليص الاعتماد عليها في الخطط العسكرية لم تمنع الدول النووية الأخرى من تطوير أسلحتها النووية، وأكدت أيضاً التزامها بخطط تحديث القوة النووية الأميركية التي وافق عليها أوباما في مقابل تصديق مجلس الشيوخ على معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية «نيو ستارت».
شتاء مصغر
وفي ظل تلك التطورات، يخشى المحللون من بداية سباق تسلح نووي جديد، في حين أن تبادل نووي محدود (50 إلى 100 سلاح) يمكن أن يخلق «شتاء نووياً مصغراً» يسفر عن وفاة عشرات الملايين من المجاعة بسبب انهيار محاصيل الحبوب الناجمة عن تغير المناخ، حسبما يفيد العلماء.
بالنسبة إلى كلارك وأندرسن، تمثل الأسلحة النووية تهديداً بالدمار والانقراض، لكنها مفيدة من وجهة نظرهما، لهدف واحد لا غير، ألا وهو ردع الهجمات النووية.
ممارسات سابقة
لكن معاهدة حظر الأسلحة النووية، ترفض بالكامل منطق الردع النووي، متجاوزة كل الممارسات التقليدية في الحد من الأسلحة بناء على تقليصات تدريجية بطيئة تحد فقط من حجم الترسانات النووية.
في معاهدة حظر الأسلحة النووية، تلتزم الدول المسلحة نووياً بتدميرمخزون أسلحتها النووية، أما الدول التي تستضيف أسلحة نووية على أراضيها تعود لدولة أخرى فإنها ستكون ملزمة بإزالتها، في خطط متفق عليها يمكن التحقق منها ولا رجعة فيها ومحددة زمنياً.
مؤيدو التخلي عن الأسلحة النووية كثر، وتتفاوت حججهم بين أخلاقية ترفض الضربات النووية لأنها تسرق من ضحاياها الصفات الإنسانية بتقليصهم إلى مصاف أدوات لمنفعة البقية، وبين براغماتية ترفضها لأنها غير مفيدة.
يتهكم الكاتب راي اشسون في مجلة «ذا ناشونال» من أسطورة الردع الفتاكة القائمة على فرضية أنه في سبيل الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، نحن بحاجة إلى قيام بلدان معينة بممارسة قدرتها على ذبح المدنيين، وحرق المدن، وتدمير الكوكب.
ويقول الكاتب كي جي اورفانيدس في موقع «ذا وايرد»، إن مفهوم الردع هو سيناريو ضمن «نظرية الألعاب في الرياضيات» التي تعتمد على الغرور في تخمين أن لا أحد سيكون غير عقلاني لشن ضربة نووية خوفاً من رد انتقامي، ويرى أهمية تخلي الدول المسلحة نووياً عن مشاعر تفوقها النووي واستثنائيتها الأخلاقية الراسخة، والقبول بالواجبات الإنسانية للمعاهدة.
أسلحة خرقاء
أما الخبير وارد ويلسون، فيناقش ضد الردع النووي من زاوية براغماتية في كتابه «خمس أساطير عن الأسلحة النووية»، مشيراً إلى أن فكرة الردع مبينة على أساطير وسوء تقدير ومبالغة وخطأ.
ويعتقد ويلسون، بين أمور كثيرة أخرى، أن الحجج المؤدية لإلغاء الأسلحة النووية هي أقوى شأناً، ليس لأن الأسلحة النووية غير أخلاقية وخطيرة فحسب، بل لأنها أساساً أسلحة خرقاء وفوضوية. ويقول إن الردع النووي يحمينا فقط إذا كان ناجحاً مئة في المئة، لأن عواقب أي فشل يمكن أن تكون كارثية، ومن الممكن حسب قوله أن «تسقط قنبلة على جنود العدو ويمكن للإشعاع أن ينتشر ويصيب جنودك». ويقول إنه عند تفحص السجل يمكن العثور على قادة يتصرفون بطرق تنطوي على مخاطرة وعدائية، معرباً عن اعتقاده بضرورة التخلي عنها حتى ولو من جانب واحد.
مدافعون آخرون عن المعاهدة يشيرون إلى الأثر المسيء للأسلحة ونفاياتها النووية وإشعاعاتها على الصحة والبيئة، عدا الأموال الطائلة التي تنفق على صيانتها، حيث يقدر أن الولايات المتحدة تنفق ما بين 5 إلى 6 مليارات دولار في العام على إصلاحات البيئة وإدارة النفايات المتعلقة ببرامج الأسلحة النووية.
معاهدات أخرى
قبل تبني تلك المعاهدة، كانت الأسلحة النووية أسلحة الدمار الشامل الوحيدة غير الخاضعة لحظر شامل، فالأسلحة البيولوجية والكيميائية تخضع لحظر شامل بموجب اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية عام 1972 واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 1992. وقد استلهم مؤسسو الحملة من النجاح الكبير الذي حققته الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية والذخائر العنقودية أيضاً، باستخدام المقاربة الإنسانية في الموضوع.
يرى البعض أن غياب العمل على نزع السلاح النووي من جانب الدول المسلحة نووياً الخمس داخل معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، كان دافعاً هاماً للمطالبة بإزالتها. ففي عام 1970 وافقت الدول المسلحة نووياً وفقا لتلك المعاهدة بإزالة ترسانتها مقابل موافقة باقي العالم بعدم تطويرها أسلحة نووية البتة. لكن فيما كان الانتشار محدوداً، أخفقت الدول المسلحة نووياً في تلبية التزاماتها بنزع سلاحها النووي. البعض قلص حجم ترسانته فقط لتوظيف مليارات الدولارات في تحديثها، فيما المعاهدة الجديدة بنهج جديد يقضي بتحريمها على الجميع في جميع الظروف.
ربما تعبر بياتريس فين، في دفاعها عن المعاهدة، عن الشكوك التي تساور كثيرين، عندما تقول: «تجنبنا الحرب النووية ليس عبر القيادة الحكيمة، بل بحسن الطالع».


