تواجه بريطانيا أخيراً، المزيد من التهديدات الإرهابية، بل وتزايدت المخاوف الأمنية من هجمات إرهابية في الأماكن الحيوية داخل حدود بريطانيا ومدنها الرئيسية، لذا فإن بريطانيا وأوروبا من مصلحتهما التعاون الأمني للتعامل مع المخاطر المتعددة المتغيرة. وبريطانيا واحدة من أكبر ثلاثة مستخدمين لبيانات يوروبول، بينما تستفيد الدول الأوروبية أيضاً من المعلومات التي تحصل عليها من بريطانيا من خلال اتفاق «العيون الخمس» القديم لتبادل معلومات المخابرات بينها وبين الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
في تقرير صدر أخيراً في بريطانيا بعنوان «حرب الإنترنت الجديدة»: مكافحة التطرف الإلكتروني، ويقع في أكثر من 100 صفحة يتضح مدى خطر تهديد التطرف والإرهاب على الفضاء الإلكتروني في العالم، ولا سيما في أوروبا وفي المملكة المتحدة. يتناول التقرير في ثلاثة أقسام والذي أصدرته مؤسسة بوليس اكستغينغ البريطانية، مدى التعقيد المحيط بمكافحة المتطرفين الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها لتجنيد أعضاء جدد، والتخطيط للقيام بعمليات إرهابية، ونشر أيديولوجية الشر والعنف والقتل ولا سيما من قبل تنظيم داعش.
مركز متقدّم
أشار التقرير إلى أن بريطانيا تأتي في المركز الخامس من حيث تكرار اطلاع مواطنيها على المحتويات المتطرفة على الإنترنت.. وتنتشر المواد المتطرفة التي يضعها تنظيم داعش بصورة خاصة من خلال خلية معقدة تكنولوجية تتميز بالانتشار السريع والقدرة على مواجهة محاولة إغلاقها وسرعتها، وهو ما سهل على التنظيم والمتعاطفين معه التحايل على كل المحاولات لوقف هذه الوسيلة لكونها أداة فعالة في التجنيد والتخطيط والدعاية.
ويعتمد التنظيم على «تيليغرام»بصورة أساسية، لأن رسائله مشفرة ويصعب اختراقها، إضافة إلى «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب» و«غوغل» وغيرها. إن المحتوى المتطرف للتنظيم يتميز بعدم المركزية حيث يتم إنتاجه من أماكن مختلفة وأشخاص مختلفين. يضاف إلى ذلك أنه يعتمد على الفيديوهات التي تثير المشاعر وأكثر جاذبية في الدعاية، ويتزايد وجود التنظيم على الفضاء الإلكتروني في الوقت الذي يتراجع بصورة كبيرة على الأرض.
صعوبات المواجهة
سلط التقرير الضوء على الانتشار السريع للمحتوى المتطرف للتنظيم من جانب وصعوبة مواجهته، ولا سيما أن عمل وسائل الإعلام والأكاديميين يجعل من السهل التوصل لتلك المواد على الإنترنت بسهولة، وهو ما يحتاج إلى مراجعة وفقاً للتقرير.
وأضاف التقرير أن الحاجة إلى مراجعة القوانين في بريطانيا لمواجهة خطر التطرف الإلكتروني من جانب والدور الكبير لشركات التكنولوجيا الكبرى، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي في مكافحة هذا الخطر وهو غير متحقق، حيث تنهال الانتقادات على تلك الشركات لعدم قيامها بالدور المنوط بها في هذا الخصوص. وانتهى التقرير بقياس توجهات الرأي العام البريطاني حول تلك القضية من خلال عينة تم اختيارها بوسائل علمية.
أشار التقرير إلى بعض المقترحات لمواجهة هذا الخطر مثل قيام الحكومات بتقنين عمل شركات التكنولوجيا وفرض غرامات عليها في حال فشلها بإزالة المحتوى المتطرف من مواقعها، والحاجة لجهد دولي، لأن المشكلة عالمية. ومع ذلك يظل السؤال والمعضلة الأصعب هي التوازن بين الحرية والأمن.
التطرف افتراضياً وواقعياً
وأشار التقرير في مقدمته إلى ضرورة محاربة التطرف على المستوى الفكري والعالم الافتراضي من جانب وعلى الأرض من جانب آخر.
إن المسارين يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب. موضحاً أن تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن عمليات إرهابية في أماكن مختلفة من العالم في تركيا وسوريا والعراق ومصر وبلجيكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا ونيجيريا وليبيا واليمن وأفغانستان والفلبين وغيرها. وان التنظيم نجح في تجنيد عناصر متطرفة نشأت في بريطانيا وفرنسا وغيرها وهو ما يطلق عليهم «المتطرفون المحليون». وسافر الآلاف منهم إلى سوريا والعراق وعاد بعضهم إلى وطنهم في أوروبا ويشكلون خطراً محدقاً بتلك المجتمعات الأوروبية.
وقد أوضح التقرير أن أكثر من ثلثي الهجمات الإرهابية (76 في المئة) ارتكبها أشخاص اطلعوا على مواد التطرف على الإنترنت وكانت في حيازة بعضهم وقام آخرون بتوزيعها على آخرين في الفترة من 2011-2015. ولهذا تم استهداف العقول المدبرة للفضاء الإلكتروني من تنظيم داعش من قبل هجمات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش وقتل عدد منهم.
ونتيجة لنشاط التنظيم المتزايد في الإنترنت ظهرت محاولات عدة لمواجهة هذا التهديد مثل قيام جهاز الشرطة الأوروبي (يوروبول) بعمل مشروع «افحص الإنترنت» لتبادل المعلومات حول الأنشطة الإرهابية، ولكن يرى التقرير أن تلك الجهود غير كافية ولا تواكب الخطر المحدق من قبل العدو الافتراضي الداعشي. وقد أثبت تقرير من مركز الدين والجغرافيا السياسية والصحافة الرقمية أن بريطانيا وحلفاءها يخسرون الحرب الإلكترونية من التطرف.
وأكد التقرير ضرورة محاربة الخطاب المتطرف الذي سيؤدي -إن لم نخلق بديلاً له- إلى نجاح تنظيم داعش في تجنيد عناصر جديدة ونشر أفكاره حتى بعد القضاء على التنظيم عسكرياً على الأرض. كما أشار التقرير لغياب استراتيجية متكاملة لمواجهة التهديد الإلكتروني المتطرف.
تناول القسم الأول من التقرير الشبكة العنكبوتية التي تستخدمها الحركات المتشددة. يقول التقرير: «إن اليد الطولى في سباق تكنولوجيا الإنترنت هو في صالح الحركات المسلحة مثل تنظيم داعش. إن التهديد الذي تشكله مواد التطرف على الإنترنت هو حقيقي وقوي. يشير التقرير إلى أن أرشيف المتطرفين يتكون من أكثر من نصف مليون وثيقة بصورة رقمية وباللغة العربية. يستخدم تنظيم داعش أولاً «تويتر» بصورة كبيرة ثم «التليغرام»، ويستخدم تنظيم داعش الأدبيات الفقهية لتنظيم القاعدة».
استعمال تليغرام
وعلى عكس وجهة النظر التي تقول بقلة وجود التنظيم على الإنترنت أخيراً، فإن البيانات تثبت أن النشاط الإلكتروني لتنظيم داعش ازداد على الرغم من خسائره على الأرض. ويشير التقرير إلى أن التليغرام هو الوسيلة الأهم في التواصل لتنظيم داعش، ومن هنا فإن الدراسات التي ركزت على وجود «داعش» على «تويتر» ووصلت إلى تراجع التنظيم عليه هو تحليل غير دقيق لأن التنظيم يعتمد بصورة أساسية على التليغرام لما يتميز به من تشفير لا يمكن فك رموزه ويحمي مراسلات التنظيم والتخطيط لعمليات إرهابية.
ويتيح التليغرام إمكانية مشاركة حجم كبير من الصور والملفات والفيديوهات قد تصل إلى غيغا ونصف غيغا ويستخدم التنظيم الوسائل الأخرى مثل «فيسبوك» لنشر أيديولوجيته. وأشار التقرير إلى نشر مليون وثلاثمئة ألف منشور على التليغرام خلال العام الماضي من قبل قنوات وجماعات متطرفة وبصورة أساسية تنظيم داعش. يشكل تليغرام المكان الآمن الذي يجد فيه المستخدمون آخر التصريحات والبيانات والتعليمات قبل نشرها عبر وسائل أخرى.
وأوضح التقرير أن إعادة نشر المواد في أماكن أخرى يسمح ببقاء تلك المواد والدعاية الداعشية حتى إذا أزيل المصدر الأساسي للمادة. كما أن خلق قنوات متعددة على الإنترنت يقلل من وطأة إغلاق بعضها وعلى تواصل المتطرفين مع بعضهم البعض، مشيراً إلى سهولة البحث عن والحصول على المواد المتطرفة على الإنترنت. يسهم في تسهيل مهمة نشر أيديولوجية تنظيم داعش.
تغطية إعلامية
ويناقش الجزء الثاني من التقرير ماذا يجب عمله وخيارات السياسة المستقبلية إزاء هذا التهديد الإلكتروني من قبل التنظيمات الارهابية. ويحاول تنظيم داعش أن يقوض القيم الليبرالية في الغرب ويقسم العالم بين الأمة الإسلامية والآخر.
وقد صرحت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بأهمية البدء بمحادثات صعبة ومواجهة تهديد التطرف والإرهاب. ويتطلب الأمر استراتيجية شاملة لتعاظم الخطر وتفاقم آثاره على الأمن. هناك دور للصحافيين والأكاديميين والمعلقين في منع انتشار أيديولوجية التطرف والعنف من خلال عدم وضعها على وسائل التواصل الاجتماعي أو وضعها بصورة لا تسمح بسوء استخدامها. وقد يكون للبرلمان البريطاني دور في ذلك من خلال وضع قواعد إرشادية عند التعامل مع الحركات المتطرفة.
نشر التطرّف
وقد انتقدت لجنة الشؤون الداخلية بالبرلمان البريطاني تلك الشركات في أغسطس 2016 شركات التواصل الاجتماعي، لأنها تسهم في نشر دعاية التطرف وتقدم منابر لتجنيد الإرهابيين وتفشل في محاربة استخدام مواقعها للحض على الإرهاب والقتل. وتم اتهام «غوغل» بالتربح من الكراهية، لأن بعض الإعلانات توضع في مواقع تحمل مواد متطرفة. ودفع ذلك بعض الشركات إلى وقف إعلاناتها على «غوغل» مثل «ماكدونالدز».
وقد نادت رئيسة الوزراء البريطانية تيريرزا ماي تلك الشركات باتخاذ قرارات حاسمة لمنع استخدام الإنترنت فضاء آمناً للتطرف.
واقترح التقرير ضرورة قيام تلك الشركات بالفعل من خلال تحديد المحتوى المتطرف وإزالته بصورة تلقائية دون انتظار التنبيه من المستخدمين. وقامت شركة غوغل بتحويل المستخدم الذي يبحث عن المواد المتطرفة على «يوتيوب» إلى مواقع أخرى تحمل فيديوهات ضد التطرف والكراهية والعنف بصورة تلقائية. واقترح أيضاً عمل ميثاق شرف بين الحكومات وشركات التكنولوجيا بخصوص إزالة مواد العنف والتطرف.
وقد وقعت شركات «فيسبوك» و«مايكروسوفتى» و«تويتر» و«يوتيوب» عام 2016 على ميثاق شرف للاتحاد الأوروبي. يضاف إلى ذلك تمويل تلك الشركات جهود مكافحة الإرهاب على الإنترنت مثل المساهمة في تمويل عمل «وحدة إحالة مكافحة الإرهاب على الإنترنت» التابعة لوزارة الداخلية البريطانية. علاوة على ذلك فإن لجنة مكافحة التطرف يجب أن تشرف على قيام تلك الشركات بإزالة مواد التطرف من مواقعها.
الأمن فوق الحرية
ناقش القسم الثالث والأخير للتقرير توجهات الرأي العام البريطاني من خلال عينة مختارة بطريقة علمية. توصل التقرير إلى أن معظم العينة (65 في المئة) تلوم شركات التكنولوجيا لعدم قيامها بدور فعال في مواجهة التطرف على الانترنت . 78 في المئة من العينة رأت ضرورة إزالة المحتوى المتطرف لكونه حلاً للمشكلة.
وكان التوجه العام للعينة هو تشديد القوانين وفرض العقوبات على الشركات لإجبارها على قيامها بمسؤوليتها وتقديم مساهمات مالية مثل قيام فرق كرة القدم بدفع تكاليف الشرطة التي تؤمن المباريات.
أكد التقرير ضرورة تقديم الحكومة تعريفاً شاملاً للتطرف حتى تساعد شركات التكنولوجيا على تحديد المواد التي يجب حذفها من مواقعها. وكان التوجه العام للعينة هو أولوية الأمن على الحريات. إن التطرف يحدث في العالم الافتراضي والعالم الحقيقي ويجب التعامل معهما.
خريطة الإرهاب
نشرت صحيفة «صنداي تايمز» ملخص دراسة هي الأولى من نوعها في أوروبا، تتناول «خريطة الإرهاب في بريطانيا» بدراسة العمليات والتهديدات الإرهابية منذ 1998 إلى عام 2016.وتدحض الدراسة التي أعلنها نائب مفوض الشرطة لمكافحة الإرهاب، عدة مقولات راسخة حول الإرهابيين وأسباب تطرفهم، ومن الملامح الأساسية للدراسة أن نسبة أقل من المسلمين في بريطانيا يعيشون في مناطق لا يندمجون فيها، ومن هذه المناطق يأتي أغلب الإرهابيين.
لندن: برنامج تجسس في الجامعات لمنع التطرف
نشرت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية تقريراً بأن جامعات بريطانية تطلب من عمال المطابخ وعمال النظافة التجسس على طلابها، بهدف منع انتشار التطرف. ولجأت بعض الجامعات إلى هذه الخطوة لأنها تعتقد أن الطلاب قد يكشفون عن ميولهم للتطرف في المطعم والمقهى والمكتبة، وليس في قاعات المحاضرات.
ونشرت الصحيفة تفاصيل برامج التدريب التي يتلقاها العاملون في الجامعات لممارسة التجسس على الطلاب.
وكانت إحدى جامعات لندن قد اعترفت أنها تراقب الرسائل الإلكترونية للطلاب، وهو ما أثار موجة من الاستياء، كما واجهت جامعة أخرى احتجاجات من طلاب مسلمين بسبب تثبيتها كاميرات مراقبة في غرف الصلاة.
وعلى الرغم من أن الجامعة قالت إنها فعلت ذلك حتى يشعر الطلاب بالأمان إلا أن الطلاب احتجوا على أن هذا الإجراء ينم عن انعدام الثقة بهم، كما ورد في التقرير.
وكانت الجماعات المتشددة تحاول جذب عادة النخبة والمتعلمين، ولكن هذه الفئة الجديدة من مجندي «داعش» يأتون على استعداد تام للعنف مع امتلاك مهارات تم صقلها عبر ماضيهم الإجرامي.
وقال جوناثان أدلمان، أستاذ القانون بجامعة دنفر جوزيف كوربل للدراسات الدولية، إن الدليل القاطع على قوة التواصل الاجتماعي في التأثير على عقول الشباب المنضم إلى التنظيم الوحشي «داعش» هو وجود التنظيم الدائم على «الفيسبوك» و«تويتر» والحملات الضخمة التي يقوم بها لتزوير الحقائق على الأرض ما يجعل الشباب صيداً سهلاً، فالأمر أشبه بساحة إعلامية مفتوحة مجاناً لادعاءاتهم الكاذبة، وبالتالي، نعم حتماً سيصلون إليهم دون وسطاء!».
وقال أدلمان إنه وفقاً لشهادات العائدين من مناطق الصراع بين صفوف داعش، فإن التنظيم يطلب عدة طلبات بمجرد وصول المنضمين حديثاً إلى صفوفهم، تبدأ هذه الطلبات بتسليم حساباتهم على مواقع التواصل «تويتر» أو فيسبوك إلى التنظيم الذي يعطيها إلى مختصين بالمواقع الإلكترونية يعملون بداخله، وثاني الطلبات أن يقوم المنضمون بتصوير مقاطع فيديو لحض الشبان على الانضمام إلى تنظيم داعش، وإطلاق حملة جمع تبرعات مالية، وتعد هذه الطلبات مؤشراً كيف أن مواقع التواصل الاجتماعي تلعب دوراً رئيسياً في تفكير التنظيم، وأكد ماركو فيتشينزينو مدير مشروع الاستراتيجية العالمية بلندن أن استخدام تنظيم داعش لمواقع التواصل الاجتماعي من أكثر الطرق فاعلية في توجيه وتوظيف الشباب.
وعن الوقت الذي يستغرقه تجنيد العناصر الجديدة أكد فيتشينزينو أنه قد يأخذ بعض الوقت في حالات وحالات أخرى لا يأخذ وقتاً طويلاً، كما أنه لا توجد طريقة واحدة لفعل ذلك، فهم يستخدمون طرقاً متعددة لتغييب عقول ضحاياهم، ولكنهم دائماً ما يبحثون عن الشباب الصغير الضعيف الذي قد يعاني من مشاكل عائلية أو نفسية، وربما لديه من المعتقدات الخاطئة ما سيقنعه بسهولة بآرائهم.

