من المقرر أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره الجديد بشأن إيران، غداً (الخميس)، أي بعد انتهاء مهلة الأشهر الثلاثة لمراجعة الاتفاق النووي مع إيران.

ترامب كان أعلن الجمعة الماضية، خلال اجتماع مع قادة عسكريين كبار في البيت الأبيض، أن إيران لم تحترم روح الاتفاق النووي الذي أبرمته مع مجموعة (5+1) الدولية، ولمّح إلى أنّه سيكشف قريباً عن قراره بشأن ما إن كان سيصادق على استمرار الاتفاق.

القرار المرتقب للرئيس الأميركي يستند إلى اعتبار دعم الحرس الثوري الإيراني للإرهاب والميليشيات المتطرفة في المنطقة، كأحد أبرز البراهين على انتهاك روح الاتفاق النووي.

ويدرس الكونغرس الأميركي حالياً أكثر المشاريع العقابية ضد إيران، والتي تشمل عقوبات غير نووية موجعة وتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية. مشروع القرار H.R.478 في الكونغرس يلزم رئيس الولايات المتحدة بوضع قوات الحرس الثوري الإيراني تحت قسم (b1) للأمر التنفيذي 13224 الصادر في 24 سبتمبر 2001 في أقل من 30 يوماً بعد تبني مشروع القانون، وفرض عقوبات على الحرس وفق هذا القسم من الأمر التنفيذي.

كما أن مشروع القرار H.R.380 يعرّف قوات الحرس الثوري الإيراني كياناً إرهابياً، وبموجبه سيتم تكليف الخارجية الأميركية برفع تقرير إلى الكونغرس عن إدراج الحرس الثوري في قائمة المنظمات الإرهابية، بعد إقراره في الكونغرس.

سياسة العقوبات

موضوع فرض العقوبات على إيران ليس بالأمر الجديد، فهي تخضع لعقوبات فرضتها الولايات المتحدة منذ العام 1979، وعقوبات لاحقة فرضها مجلس الأمن الدولي، كما أن إيران مدرجة على القوائم الأميركية للإرهاب منذ سقوط نظام الشاه وصعود نظام الخميني قبل قرابة أربعة عقود. لكن الجديد في القضية، أن إيران بمجرد تلميح أميركا بأنها قد تصنّف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، أصبحت كمن ثار في رأسه عش دبابير.

وما من شك أن رد الفعل الإيراني الهستيري إزاء الخطوة الأميركية المرتقبة، له ما يفسّره، ذلك أن «الحرس الثوري» هو عصب النظام الإيراني، وهو ذراعه الطولى الممتدة في غير مكان بالمنطقة من لبنان إلى اليمن، وربما أبعد من ذلك. ألم يقل أكثر من مسؤول إيراني إنه لولا «الحرس الثوري» لسقطت دمشق وبغداد بيد تنظيم داعش؟. لكن ما معنى أن تهدد إيران بتصنيف مقابل يساوي بين الجيش الأميركي وتنظيم داعش في حال أقدمت أميركا على وضع «الحرس الثوري» في قائمة الإرهاب؟ وماذا يعني أن يطلب قادة عسكريون من الولايات المتحدة، في هذه الحالة، إبعاد قواعدها الموجودة في منطقة الشرق الأوسط لأبعد من ألفي كيلومتر؟

بوادر أزمة

البعض يرى في التوجّه الأميركي الجديد وردود الفعل الإيرانية، بوادر أزمة سياسية متدحرجة وربما مواجهة عسكرية وشيكة بين إيران والولايات المتحدة، فيما يتحدّث آخرون عن ضربة أميركية لإيران، إذ إنه لا توجد نديّة كافية للحديث عن مواجهة، فإيران تبقى قوة إقليمية، صغرت أو كبرت، في حين أن الولايات المتحدة دولة عظمى نووية وتملك أقوى جيش في العالم، ولا قبل لإيران بمواجهتها عسكرياً. لذلك، فإن ما هو مرجّح، في حال تدحرجت الأمور نحو الخيارات العسكرية، أن ترد إيران على طريقتها، أي في المنطقة، ما يعني رفع حرارة الصفيح الساخن أصلاً الذي تضع إيران وحرسها العديد من دول المنطقة عليه.

لكن، ثمة مراقبون وخبراء لا يرون الصدام العسكري حتمياً، حتى لو ألغت الولايات المتحدة من جانب واحد الاتفاق النووي مع إيران، إذ إن الأخيرة تعتبره اتفاقاً دولياً وليس ثنائياً، وهي تستند إلى حد كبير إلى تمايز واضح في المواقف الأوروبية عن الموقف الأميركي وتوجّهات ترامب، ناهيكم عن الموقف الروسي الأقرب على نحو واضح لوجهة النظر الإيرانية بهذا الصدد.

فموسكو تقول في آخر ردود فعلها على التصريحات الأميركية المتصاعدة مع قرب صدور قرار ترامب، إن إلغاء الاتفاق النووي له تداعيات خطيرة، وتذهب حد القول إن خطوة كهذه، ستكون إيران هي الرابح منها.

كما أن الولايات المتحدة عيناها مفتوحتان على جبهة كوريا الشمالية، وهي ربما أشد خطورة بفعل الصاعق النووي المعلّق على خيط رفيع، وقد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للتعامل مع جبهتين في الوقت نفسه، علماً أن لها قوات في سوريا والعراق ضمن معادلة في غير صالحها أمام حضور عسكري روسي كثيف براً وبحراً وجواً، إضافة إلى قوات معادية للولايات المتحدة، الأمر الذي لا يتيح للولايات المتحدة إبقاء هذه القوات طعماً لحيتان معادية.

لذلك يؤكّد هؤلاء أن العقوبات الاقتصادية تبقى سياسة فعّالة في تحجيم دور إيران وعبثها في المنطقة.

العنصر الإسرائيلي

وفي ثنايا كل المشهد، لا بد من ملاحظة العنصر الإسرائيلي وأخذه بالاعتبار. إسرائيل لها حساباتها إزاء منطقة على بعد رصاصة منها. وفي آخر ما صدر عنها من تحذيرات يتحدّث عن تحرّك إيراني لإيجاد مطار عسكري قرب دمشق، يستخدم قاعدة لأسراب الطائرات القتالية لـ «الحرس الثوري الإيراني»، وبالتوازي تتقدم الاتصالات بين الإيرانيين والسوريين أيضاً لغرض إقامة فرقة إيرانية عسكرية على الأراضي السورية.

تعتقد السياسة الإسرائيلية في الأزمة الحالية أنه لا يوجد أي سبيل دبلوماسي لإحداث تغيير مهم في السلوك الإقليمي الإيراني، وعليه فإن السبيل الوحيد لمعالجته هو من خلال تشديد العقوبات، أي العقاب، أو من خلال ما يسمى «أزمة أخرى»، أي تهديد عسكري على إيران، في سوريا أو في كل ساحة بالمنطقة، في ظل أن الأجواء التي تخلقها إدارة ترامب ضد الاتفاق النووي، تسهم في تحريك ريح الإسناد لعاصفة الإعصار التي تقترب.

ولعل هذا ما يدعو المسؤولين الإسرائيليين لانتظار زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى تل أبيب، لأن روسيا التي تربطها علاقة جيدة مع إسرائيل، تقيم علاقة تحالفية مع طهران ودمشق وحلفائهما، فهل تسعى إسرائيل لتحييد موسكو على الأقل؟ أم أنها تريد من موسكو توصيل رسالة لإيران وحلفائها بإبقاء إسرائيل في المدرّجات بعيداً عن ملعب الحرب؟. الأحداث تتسارع والإجابات لن تتأخر كثيراً.