ينشر تنظيم «داعش» في العراق وسوريا الرعب في منطقة الشرق الأوسط منذ بضع سنوات على الرغم من أنه آتٍ في الظاهر من الفراغ. ومع أن بروز التنظيم يبدو سريع الوتيرة، غالباً ما تلقى تبعاته على الإسلام والشرق الأوسط نفسه، فإن جذور «داعش» ضاربة في تاريخ أعمق، يعود إلى بدايات الاستعمار الغربي وسقوط الإمبراطورية العثمانية وارتباط الغرب المريب لاحقاً بتحالفات مريبة.
ويتجلى انعكاس ذلك بأبهى صوره في الحصيلة المباشرة وغير المباشرة لاتفاقية سايكس-بيكو، وعنصر الاستقطاب الأيديولوجي للتنظيم، ورسالته الحالية وتكتيكات التجنيد المتبعة.
لابدّ أولاً ومن أجل أن نفهم تماماً تأثير الاستعمار على منطقة الشرق الأوسط، أن ننظر في الوثيقة التي شكلت أساس استعمار الغرب للمنطقة: اتفاقية سايكس-بيكو التي وضعها البريطانيون. وتشكل الوثيقة رواية تقليدية نمطية للإمبريالية، رسمت من خلالها حكومات الغرب الحدود اعتباطياً تقسيماً لأراضي ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، متجاهلة التقسيمات الإثنية والدينية والقبلية. وقد وصف أحد المؤرخين الوثيقة بأنها «تحالف جشع وريبة أدى إلى الحماقة».
ويكفي لمعرفة مدى تخريب التقسيم التعسفي أن ننظر إلى مفاعيل الاتفاقية وطول أمد تأثيرها في العراق. فالأخيرة التي انطلق منها «داعش» تكونت بفعل توحيد موصل والبصرة وبغداد وضمّ قبائل لا تتقاسم من التاريخ إلى قليله.
ومطلوب من تلك القبائل، مع ذلك، تجاوز أيديولوجياتها المتضاربة والتآلف كقاعدة موحدة لدولة فاعلة. وتجلت هذه الروحية الشاملة لسايكس- بيكو بمظهر الفوضى العارمة وعقود من الاستياء ليس بين العرب وقوى الغرب وحسب، بل في أوساط العرب أنفسهم.
ويبدو الأمر منافياً للمنطق بداية، فإذا كانت إحدى مشكلات سايكس- بيكو، تكمن في إيجاد حدود وضم قبائل لا يجمعها تاريخ، فكيف يمكن لمهمة «داعش» القاضية بكسر الحدود أن توحد تلك القبائل تحت راية واحدة وأن تكون أقل إشكالية من الناحية اللوجستية؟
ويتمثل الفارق مجدداً هنا في نظرة كل من واضعي الاتفاقية والتنظيم للطائفية، ففي حين تعامى مهندسو سايكس- بيكو عن الانقسامات، يسعى الدواعش المشحونين بقرون من الغضب المعزز بالاتفاقية إلى القضاء على الانقسامات عبر ذبح الأقليات الدينية وتأسيس دولة الخلافة المزعومة.
ويدعم دور التنظيم في كل من العراق وسوريا هذه النظرية. وقد استغل «داعش» موجة الغضب السني المهمّش في حكومتي ما بعد صدام، قبل أن يحول تركيزه إلى سوريا ليستغل مجدداً حالة الاستياء الشعبي السائدة.
ودخل مقاتلو التنظيم المناطق الريفية من سوريا مباشرة بعد تبدّي مشهد دخول البلد في حالة حرب أهلية. وسرعان ما انتهجوا ممارسات تهميشية بحق الأقليات قبل اعتماد تكتيك العنف.
ويمكن في السياق عينه، القول إن أحداث الربيع العربي تشكل الدافع الحقيقي لبروز «داعش». ففي النهاية، مثلت حالات فراغ السلطة الناجمة عن الإطاحة بعدد من القادة إضافة لاندلاع الحروب الأهلية المسوغ الوحيد الذي خلق المساحة للتنظيم وأعطاه فرصة الوصول إلى السلطة في المقام الأول. لكن إذا كان الوضع كذلك، فإنه لابدّ من السؤال عن سبب وكيفية السماح لأنظمة الحكم الاستمرار طوال تلك المدة أصلاً. وتكمن الإجابة مجدداً في سايكس-بيكو.
ختاماً، وبعد معاينة الجذور الاستعمارية لـ«داعش» وعناصر الاستقطاب التاريخية والأيديولوجية المتبعة وكيفية ارتباطها بدعوة التنظيم للتسلح، يتضح لنا أنه بالرغم من كون الظروف الدقيقة المحيطة بنشأة «داعش» هي نتاج أحداث مستجدة، لكن المناخ المعزز لولادتها حرض عليه تدخل الغرب منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية.
نشأة «داعش»
بالرغم من كون الظروف الدقيقة المحيطة بنشأة «داعش» هي نتاج أحداث مستجدة، لكن المناخ المعزز لولادتها حرض عليه تدخل الغرب منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية.


