ارتبط ثلاثة أرباع «الإرهابيين» البريطانيين بجماعات حركيّة راديكالية ــ مثل الإخوان وحزب التحرير، قبل التوجه إلى القتال في الخارج أو القيام بهجمات إرهابية. حيث عملت الجماعات الدينية المتشددة كمجموعة تجنيد لعشرات المتطرفين الذين انضموا إلى تنظيمي «القاعدة» و«داعش» ومجموعات إرهابية أخرى. فيما نشرت صحيفة «تلغراف» اللندنية تقريراً لرئيس الحكومة البريطانية الأسبق توني بلير كشف إخفاقه في ترحيل الداعية المصري هاني السباعي، المرتبط اسمه بـ13 متشدداً، بمن فيهم محمد إموازي المعروف بالإرهابي «جون».

وبحسب تقرير لمعهد توني بلير للتغيير العالمي، فإن تلك الجماعات عملت كمستنقع لاستقطاب وتجنيد العشرات الذين انضموا إلى تنظيمي القاعدة وداعش ومجموعات إرهابية أخرى لاحقاً. وأشار التقرير، وفقاً لعينة من 113 شخصاً من جميع أنحاء بريطانيا انضموا إلى التنظيمات (الإرهابية) منذ الثمانينات وحتى الحرب السورية المستمرة، إلى أن ما لا يقل عن 77 في المئة من العينة، كان لهم علاقة بـ(متشددين حركيين)، إما عن طريق ارتباط مباشر مع جماعات متشددة، أو عن طريق صلة بمن ينشرون الفكر المتطرف.

وقال التقرير إنه على الرغم من أن تلك الجماعات تحتج بحقها في حرية التعبير، إلا أن السلطات في بريطانيا بحاجة إلى اتخاذ خطوات أكثر حزماً تجاه هذا التشدد، مشيرة إلى إحدى تلك الجماعات، وهي (المهاجرون)، التي يديرها المتطرف أنجم شودري، الذي سُجن لدعمه تنظيم داعش، وكان مرتبطاً بالعديد من الهجمات الإرهابية.

وأوضح التقرير أن تشودري هو واحد من ستة أفراد شكلوا الحركة الفكرية المتشددة في بريطانيا، وهم عمر بكري محمد، وأبو حمزة المسجون في أميركا، وعبد الله الفيصل، وأبو قتادة، وهاني السباعي الذي يعيش في لندن، وهؤلاء الستة، ارتبط بهم أكثر من 67 في المئة من الإرهابيين في بريطانيا، إما بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي سياق متصل، أضاف التقرير أن النساء أكثر عرضة للتطرف على الإنترنت، وأن 44 في المئة من عينة نسائية أظهرن ميولاً للتطرف على مواقع إلكترونية، بينما في المقابل، 4 في المئة فقط من الرجال في عينة مشابهة، لوحظ تطرفهم عبر الإنترنت.

العنف

وبحسب التقرير فإن الإيديولوجية تبرر استخدام العنف لتحقيق الأهداف، حيث يؤمن مناصرو تلك العقيدة بفرض تفسيرهم الخاص للدين على الآخرين وعدم قبول أية بدائل. وتعود الشبكة العالمية الإرهابية إلى عقود طوال وتتسبب بأعمال عنف تطال العالم أجمع. وقد سجلت الأشهر الأخيرة من العام 2016 مقتل ما يزيد عن 18 ألف شخص. وتتورط 58 جماعة إرهابية فيما لا يقل عن 2312 حادثة عنف في 41 بلداً. ما الذي يجمع أولئك الأفراد الساخطين من بيستون إلى برايتون؟ وكيف استأثرت إيديولوجية العنف العالمي بعقول عدد من المواطنين والمقيمين البريطانيين؟ وما الذي يمكن فعله لمنع الآخرين من سلوك المسار عينه؟

ويعاين التقرير الذي يعتبر دراسة مقطعية لحركة التشدد البريطانية منذ الثمانينيات وحتى الحرب السورية الشبكات التنظيمية، والتأثيرات الإيديولوجية، والخلفية العائلية، إضافة إلى المستوى التعليمي والسجل الإجرامي وخريطة السفر. كما تستطلع الدراسة المناطق التي قاتلوا فيها ولصالح من، وتبحث في سير 18 امرأ مرتبطة بالحركة المتطرفة البريطانية وتقارن تجاربهن مع الرجال الـ113 الآخرين.

وخلص التقرير إلى الكشف عن نتائج أساسية تتلخص أبرزها بارتباط ثلثي المتشددين بستة أفراد، حيث تبين أن 67 بالمئة من العينات المختارة تربطها علاقات مباشرة أو غير مباشرة بـ: أبو حمزة المصري، وعبد الله الفيصل، وأبو قتادة الفلسطيني، وعمر بكري محمد، وأنجم تشودري، وهاني السباعي. وكشفت أن التنظيمات المتشددة في بريطانيا تشكل بؤر تجنيد، حيث 77 في المئة من النماذج كانت على ارتباط بمجموعات وشبكات دينية غير عنفيّة قبل التحول إلى التكفير. وأشارت ثالثاً إلى أن النساء أكثر ميلاً للانجرار نحو التطرف عبر الإنترنت من الرجال.

أحداث عالمية

وتبين كذلك أن التعصب البريطاني جاء مدفوعاً بأحداث عالمية. وكشف التقرير عن انجذاب المقاتلين البريطانيين إلى بؤر النزاع حيث وجد أكثر من 64 في المئة من نماذج الدراسة في ثلاث مناطق قتال أساسية هي سوريا/‏‏العراق، أفغانستان باكستان، والصومال/‏‏كينيا. إلا أن نطاق عملياتهم كان محدوداً فاستهدف أكثر من الثلث بريطانيا نفسها، ونفذ النصف عملياته من داخل المملكة، في حين لم ينخرط 27 بالمئة في أي نشاط إرهابي خارج بريطانيا.

وأظهرت نتائج التقرير أن لندن تحتل مركز الأعمال المتطرفة في بريطانيا، وأن 49 في المئة من عينة الدراسة كان مقرها لندن. وبيّنت أن الأقلية فقط كانت متورطة في جرائم متعلقة بالعنف، علماً أن 58 في المئة من النماذج هم من خريجي السجون. مقابل الكشف عن أن 31 في المئة ممن يطالهم التقرير متعلمين. وختم التقرير لائحة النتائج بالقول إن التشدد في بريطانيا مسألة عائلية، حيث إن 23 في المئة من النماذج لديهم إخوة متورطين في القيام بأعمال تدل على التعصب.

أفكار متشددة

وتوصلت الدراسة بناءً على النتائج إلى وضع عدد من التوصيات، التي شملت خلق بيئات تعليمية تعمل على التصدي للأفكار المتشددة. وتشكل الكليات والجامعات والسجون مساحات ينشأ فيها التعصب ويزدهر. وفي حين أن الهيئات الرقابية المعنية هناك نادراً ما تكون مؤهلة للتمييز بين المعتقد الديني السائد والأفكار المتطرفة، توجد بضع خطوات قد تساعد على حماية الأشخاص. ويشار إلى أن غالبية المسلمين في بريطانيا وخارجها قادرون ومستعدون لتقديم العون.

وينبغي على المؤسسات التعليمية أن تعدّ طلابها للتصدي لتلك الأفكار، ويتوجب عليها أن تعمل على تشجيع البيئات التي لا تطرح آراءً غير قابلة للنقض باعتبارها حقائق مطلقة.

ولا بد للجامعات والكليات والسجون أن تطلب من كافة المجتمعات المسلمة والدينية الأخرى الانخراط في شبكات أوسع نطاقاً بهدف كسب الدعم أو التمويل المؤسساتي، علماً أن بعض تلك الشبكات قائم أصلاً. ويتعين على تلك المجموعات والمجتمعات أن تعاين وتدرب وترشد الطلاب، وتكون هي ذاتها خاضعة للرقابة.

كما يتوجب أن تعطي حوافز للطلاب من كافة المشارب وتطلب من السجناء حضور صفوف ودورات لبناء مهارات تحليل نصوص تتعلق بقضايا سياسية واجتماعية.

ويندرج ضمن التوصيات أيضاً استهداف مجمعات نشر رسائل التطرف. فأبو حمزة المصري على سبيل المثال، كان يعظ في مسجد «فينسبري بارك» قبل خمس سنوات من توقيفه في إطار تحقيقات لجنة الأعمال الخيرية لإنجلترا وويلز بخصوص موضوعات حلقات الوعظ. وكشفت اقتحامات الشرطة فيما بعد أن المخطط الرئيسي لاعتداءات بريطانيا عام 2002 قد وضع جانب منه داخل المسجد.

تحقيق في المساجد

ويؤكد تقرير معهد توني بلير أن على الشرطة والهيئات الرقابية أن تتحقق من المساجد ومراكز الدراسات الإسلامية التي غالباً ما تكشف عن صلات بمختلف المتشددين.

وذكر أن نماذج الدراسة تكشف كيفية ارتباط الشبكة الإرهابية البريطانية بالحركة العالمية للإرهاب من خلال نشاطات مباشرة خارجياً وحصول المجموعات الدولية دعم من قلب المملكة المتحدة. وقد تم جرّ العديد إلى دوامة التطرف والعنف من خلال صلات مباشرة أو غير مباشرة مع عقائديين عالميين وقادة كبار.

الحرب السورية

وفي إطار مسرح العمليات، أشار التقرير إلى أنه بالرغم من تورط بعض الأفراد في حروب تعود إلى الثمانينيات، فإن النزاع الأكثر استقطاباً للمقاتلين البريطانيين كان الحرب السورية التي شكلت محطة النشاط القتالي الأول لـ34 في المئة من الذين شملتهم الدراسة. ويعتبر جزء كبير من هؤلاء ناشطاً في إطار حضور معسكرات التدريب في كل من باكستان وأفغانستان بنسبة قاربت 22 بالمئة. ويذكر أن 84 في المئة من الذين شملتهم الدراسة ارتبطوا إما بتنظيم القاعدة أو تنظيم داعش، الأمر الذي يعكس هيمنة هذين التنظيمين المتشددين على المشهد العالمي ككل.

ثغرات أمنية

وكان رئيس الوزراء السابق توني بلير نشر تقريرًا حول الإرهابي «هاني السباعي»، يؤكد فيه أنه يجند الإرهابيين في تنظيم داعش.

وقالت صحيفة «التليغراف» البريطانية، في التقرير إن «بلير» كشف عن أن المصري المقيم في لندن ساهم في تجنيد عدد من الإرهابيين البريطانيين، حيث حاول ترحيله عن المملكة قبل 20 عامًا. وقال «بلير» في تقريره إن السباعي له علاقة بـ 13 متشددا بمن فيهم محمد إموازي، والمعروف باسم «جون».

2014

كشف معهد توني بلير إن 77 في المئة على الأقل من النماذج المدروسة لديها ارتباطات بالإسلام غير العنفي إما مباشرةً عبر اتصالات بتنظيمات إسلامية، أو عبر صلات مع أفراد يتبعون أو يقومون بنشر إيديولوجية التعصب. وقدمت مثالاً على ذلك عبد الوحيد ماجد أول بريطاني ينفذ تفجيراً انتحارياً في حلب عام 2014.