شكل السؤال حول ما إذا كان للعلاقات الاقتصادية تأثير على النزاعات العسكرية بين الدول محطة انقسم حولها الباحثون والمفكرون السياسيون منذ عصر التنوير.
وزعم الفيلسوف إيمانويل كانط أن الترابط الاقتصادي بين الدول قد يسهم في إحلال السلام على المدى البعيد في مجال العلاقات السياسية الدولية، لكن الإجماع على المسألة منذ ذلك الحين أثبت زيفه، واتخذ المثقفون مواقف متعددة في الجدال. فادعى البعض أن الاتصالات الاقتصادية تعزز حسن النوايا والتكامل السياسي، وأن الدول ستغدو مترددة في المخاطرة بالمنافع التجارية عبر إشعال فتيل النزاع، بينما أصرّ آخرون على أن التجارة تزيد من هامش التنافسية بين الدول مما يولد الصراع والحرب.
وقد امتد النزاع ليطال الطريقة التي يتلقى طلاب العلاقات الدولية الأحداث التاريخية والحالية. وذمّ المراقبون التاريخيون العزلة الاقتصادية والسياسات الحمائية كالحواجز على الواردات بوصفها مسبباً لصراعات الثلاثينيات التي أنتجت الحرب العالمية الثانية، بمعنى أن التواصل الاقتصادي يمكن أن يقي من الفاجعة بتعزيز أواصر المصالح المتبادلة والتعاون.
وأشار آخرون إلى أن حصول الحرب العالمية الأولى دلالة على أن الروابط الاقتصادية لا تعزز بالضرورة السلم بين الدول، علماً أن مستوى غير مسبوق من التجارة العالمية سبق النزاع ولم يحل دون حصوله.
هناك عدد من وجهات النظر التي تقدم توضيحات نظرية في ميدان العلاقات الدولية، لكننا سنركز هنا على ثلاث ينطوي كل منها على دلالات حول إمكانية تأثير العلاقات الاقتصادية الدولية على وتيرة الصراع، وقد تمكن الباحثون من اقتراح أسباب محددة تشرح كيفية تجسّد كل منها واقعياً على أرض العلاقات الدولية.
تعتبر المؤسسات الدولية والاعتماد المتبادل من المنظور الليبرالي ضرورية لتعزيز السلام العالمي كونها توفر مسارات لتعاون الدول عبرها في سبيل تأسيس صداقات مرسخة بالتبادل التجاري والمصالح الأمنية. فالتجارة بين الدول بحسب البروفسور الأميركي جون أونيل وسيلة لتحقيق «تناغم المصلحة» لاحتواء النزاع.
وترى النظرة الواقعية الجديدة أن المؤسسات الدولية والاعتماد المتبادل لا يخلقان أي مستوى جوهري من النظام في العلاقات الدولية المعرفة بالصراع على السلطة بين الدول.
ونظراً لطبيعة النظام الدولي الفوضوية، فإن الدول مرغمة على الاهتمام بالأمن على الدوام. ويرى عدد من أصحاب النظرية أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل قد يكون مصدر نزاع وليس رادعاً، كونه يستطيع خلق علاقات لامتناظرة.
ويتفق الواقعيون الجدد وأصحاب الواقعية الكلاسيكية على طبيعة فوضى النظام المتماهي مع النزاع، لكن الأخيرون يركزون على «حوافز السلطة» كجزء لا يتجزأ من «الطبيعة البشرية» ويعتقدون أن للدول نزعة أساسية في السيطرة مولين الأهمية القصوى للقوة العسكرية.
وفي حين يصنفون القوة الاقتصادية كوسيلة ل«السياسة المتدنية»، لا يؤمن الواقعيون بأن للتجارة والروابط الاقتصادية تأثيراً عميقاً على النزاع المسلح بل مجرد «ترتيبات مرحلية لتحقيق المصالح الوطنية».
ترجح، في النهاية كفة الاعتقاد بأن صراع النظام والاعتداء تكبحهما الروابط الاقتصادية بين الدول وأن قدرات الدول الفردية على الاعتداء تتضاءل بارتفاع اعتمادها على التجارة. ومن هنا يبدو واضحاً أنه إذا سعت الدول للحفاظ على سلام دائم ومهادنة جيرانها، فلا بد من تشجيع التجارة بعزم ومثابرة.
وعلى الرغم من أن المعدلات المرتفعة من الاستثمار الأجنبي المباشر نحو الداخل والخارج يعتبر أكثر ارتباطاً باعتداء الدول، فقد توصلت النتائج إلى ترجيح التفاؤل الحذر مع مضي العالم قدماً في زمن الترابط الاقتصادي المتزايد. وإذا كان المستقبل مرادفاً للعولمة، فحرياً به أن يكون أكثر تماهياً مع قدر أكبر من التعاون العالمي والسلام النسبي.
لا يمكن أن نخوض حروباً بلا تجارة، ولا أن نتاجر بلا حروب.
جان كوين
مؤسس جاكرتا
في عالم السياسات الدولية الفوضوي، يستحسن أن تكون غودزيللا لا بامبي «أي وحشاً وليس آليفاً».
جون ميرشيمر
برفيسور أميركي
السياسات الدولية، كما كل السياسات الأخرى، صراع على القوة.
هانز مورغنثاو
باحث ألماني أميركي
صراع
يمكن للصراع الدولي أن يتبدى بعدد من الطرق كالاحتجاجات الدبلوماسية والتصريحات الدعائية العدائية، ووقف العمل بالاتفاقيات الثنائية، لكن النزاعات المسلحة تذهب إلى مستوى مختلف من العدائية في مجال السياسات الدولية.
2009
ينطوي النموذج الذي طرحه بلانكنشب في مجال العلاقات الاقتصادية وتأثيراتها على أربع فرضيات أساسية، أولها أن الدول كافة ستكون معنية ليس بمصالحها الأمنية الجيوسياسية وحسب، بل بالمصالح الاقتصادية والمالية، وستدرك أبعاد تهديد قطع المكاسب التجارية والاستثمارية في حال القيام بأي عمل عدواني.
وستكون بناءً عليه أكثر وعياً بالتأثير السلبي المحتمل الذي يمكن أن يتركه الاعتداء على تجارتها أو الاستثمار الأجنبي المباشر. ويفترض ثالثاً وجود «مقياس عدم الاعتداء» في السياسة الدولية، بمعنى أن الشركاء الحاليين أو المحتملين قد يسعون لقطع العلاقات الاقتصادية مع الدولة المعتدية.
وطرح أخيراً، بالاستناد إلى ما فصله البروفسور زيف ماوز عام 2009، أن نزاعات الصراع والاضطراب ستنعكس أضراراً مرجحة ليس على تجارة الدول المعنية وحسب، بل على الأعمال التجارية لكافة الأطراف المتنازعة، وأن المستثمرين سيصابون بالقلق في مناطق التوتر والحروب وحولها. ويقدم ذلك سبباً إضافياً لتنديد الدول بالاعتداءات والمعاقبة عليها، والتقليص بالتالي من دوافع الدول المعتدة على التجارة والاستثمار الخارجي من إطلاق فتيل النزاع.
السلام مبرر اقتصادي سياسي
يتجلى السؤال عن العلاقة بين التجارة والنزاعات العنيفة بشكل أوضح في زمن «العولمة» الحديثة. وقد أصبح الاتصال الاقتصادي على نحو متزايد موقع المقياس.
وغدت، إزاء هذا الواقع العالمي، إعادة النظر في التأثير المحتمل الذي قد تخلفه الروابط الاقتصادية على الأمن العالمي أكثر من مجرد ممارسة أكاديمية ومسعىً بالغ الأهمية في صناعة السياسة، سيما بعد أن لجأ رجال الدولة إلى منظور تعزيز السلام كمبرر لسياساتهم التجارية والاقتصادية.
تعتبر الروابط الاقتصادية سبيلاً إلى السلام، وتشير النتائج إلى أن المشاركة الأوسع في التجارة العالمية تقلص إمكانية اعتداء الدول، لكن الانفتاح الزائد على التدفق الداخلي والخارجي لرؤوس المال يرفع أرجحية الاعتداء، علماً أن نوعي الروابط الاقتصادية ينزعان للحدّ من هامش النزاعات على مستوى النظام.
صفحة متخصصة تصدر عن قسم الترجمة






