عندما سافر إدوارد لير عبر الأرض المقدسة، مصوراً البلدات والقرى في ترحاله، ترك وراءه سجلاً عن بعض أجمل الأماكن المأهولة التي عرفها العالم. مدن حجرية متراصة، أسطحها تتداخل مع خيم متموجة، وتعشعش قببها في صدر السماء، وتعلو مناراتها من فوقها في ابتهال وتضرع. وقد بقي الكثير من تلك المدن دون تغيير حتى القرن العشرين.
كانت أزقتها من حجر ومنازلها المنغلقة على نفسها تُفصح عن معنى محير كثيراً للزائر الأوروبي، يشي بأن المدينة العربية ليست فضاء عاماً بل مجموعة من الفضاءات الخاصة.
وبطبيعة الحال، كانت المدن الساحلية ومراكز التجارة الكبرى والمدن الحضرية قد تطورت بالطريقة المألوفة للقرن التاسع عشر، بواجهات ملبسة بالحجر تفصح عن وجود متاجر، وبشرفات كلاسيكية تخبر عن أناس على الموضة. لكن في الداخل وبعيداً عن التأثير الغربي، حافظت البلدات على طابعها القديم، وقد شُيدت كواحات وملاجئ عاش ناسها من عقائد مختلفة، جنباً إلى جنب، في حالة من الوئام النسبي.
مدينة موحدة
لم تكن الإمبراطورية العثمانية مؤلفة من دول قومية بل من مجتمعات دينية، بعضها لم يكن معترف به من جانب سلطان إسطنبول. لم يكن من الممكن ضمان إحلال السلام بين الطوائف من خلال رسم الحدود كما في أوروبا، بل فقط من خلال العرف السائد. بالتالي كان السلام غير مستقر وتطلب الحفاظ عليه بذل جهود مستمرة. وكانت العمارة جزءاً من هذا العمل.
كان الافتراض غير المفصح عنه يتمثل في ضرورة أن تكون المنازل متناسبة عبر الأزقة والشوارع، وألا يكون هناك منزل خاص فخم يعلو المسجد أو الكنسية، كما يجب أن تكون المدينة مكاناً موحداً ومدموجاً، مشيّداً بمواد محلية وفقاً لمفردات مشتركة من الأشكال. وتم صنع جدران سميكة من الحجر في الداخل للتبريد في الصيف والتدفئة في الشتاء في سبيل استخدام الحد الأدنى من الطاقة.
وتم تصور السوق كمكان عام مزخرف على نحو مناسب ليمثل قلب المدينة، المكان حيث تشكل التجارة الحرة للسلع تعبيراتها عن الاختلاط الحر للمجتمعات. وكان السوق القديم لحلب الذي دمر بشكل مأساوي في الصراع الحالي نموذجاً مثالياً على ذلك.
العصرنة غياب الضوابط
لكن ليس الصراع الأهلي وحده الذي قضى على المدن المستقرة للشرق الأوسط. قبل فترة طويلة من الأزمة الحالية وصلت الطريقة الحديثة في البناء. تلك الطرق الحديثة في البناء جاءت من الغرب كغيرها من الأشياء، على الرغم من حصول تعاون كامل من جانب المضاربين المحليين المستفيدين في الغالب من قانون الأرض غير المضمون في المنطقة، والغياب النسبي للضوابط على التخطيط.
حتى أغلى جوهرة في المنطقة، كحلب، عانت من أبراج قبيحة وشقق مبنية بمواد رخيصة وصنعة متدنية. وغالباً ما تساءل السكان المحليون الذين شهدوا على التدمير، ما إذا كان هذا التحول للبيئة القديمة والمحببة إليهم كان الثمن المطلوب للعصرنة، وشيء يجب الترحيب به كتحرر من سطوة الماضي المميت.
المسألة المتعلقة بالطريقة التي يجب أن نبني فيها لم تكن أكثر إلحاحاً مما هي اليوم في الشرق الأوسط. التغطية التلفزيونية للاضطرابات الأهلية الأخيرة في ليبيا وتونس ومصر ومنطقة الشام جعلت العالم على دراية أكبر بالمدن العربية الحديثة.
كانت فكرة إحلال المدينة العضوية بأساليبها التقليدية في العمارة بمساحات مفرغة وكتل زجاجية قد تمت تجربتها أولا في العالم العربي. المعماري لوكوربوزيه الذي حاول عبثاً إقناع مجلس مدينة باريس بتبني هذه الخطة لتمزيق المدينة بأكملها شمال السين، وإحلال مزيج من الأبراج الزجاجية مكانها، دون جدوى، حول انتباهه إلى الجزائر التي كانت في وقتها تحت الإدارة الاستعمارية الفرنسية.
وبصفته مستشاراً معمارياً لحكومة فيشي خلال الحرب، تمكن من تخطي عمدة الجزائر المنتخب وفرض خطته على المدينة، على الرغم من بناء جزء صغير فقط منها، قبل أن تضع نهاية الحرب حداً للأمر على نحو مفاجئ. ما زالت هذه الخطة تعامل باحترام في مدارس العمارة الحديثة.
وتنطوي على إزالة المدينة القديمة من الخريطة وإحلال كتل مربعة كبيرة مكانها تلغي الخط الساحلي والمناظر الطبيعية، تعلوها شوارع تنطلق فيها السيارات من فوق السكان. لا وجود لأزقة أو لزوايا مخفية، كل شيء فارغ فاقد التعبير وبارد، نوع من عمل انتقامي من جانب العالم الحديث ضد القديم.
وعندما يأتي الأمر إلى إعادة بناء مدن الشرق، سيكون هناك بالتأكيد من يسعى إلى هذا النوع من العمارة مبتدعاً كوارث إيكولوجية بدلاً من مستوطنات عضوية، ومهجراً السكان الذين كانوا فيما مضى في تلك المدن الجميلة.
لذلك لا بد من نوع جديد من العمارة الحديثة بشكل عاجل. فمدن قديمة مثل حمص وحلب يجب استعادتها، ويجب استعادتها بطرق حديثة وبمواد حديثة. لكن ما زلنا ننتظر بروز الأساليب التي ستقوم بدمج تلك الطرق والمواد في نسيج المدينة الحقيقي.
قرار جماعي محلي
في أعقاب تدمير النازية لمدينة وارسو القديمة اتخذ الشعب قراراً جماعياً بإعادة بناء مركز المدينة كما كان عليه. سكان حلب يمكن دعوتهم لاتخاذ قرار جماعي مشابه. نوع جديد من عملية تخطيط يمكن أن تظهر، حيث الخطط تخضع لتصويت شعبي بدلاً من قرار يتخذه الخبراء. الأدلة من سويسرا تشير إلى أنه إذا منح الناس خياراً، فإنهم لن يصوتوا من أجل مبان بأسلوب عملاق حديث، وسيفضلون دوماً تلك التي تندمج مع المتميزة، وهذه بالتأكيد غريزة سليمة. الاستقرار شيء نقوم به ككائنات اجتماعية من خلال الانسجام مع جيراننا وتكييف سلوكنا وطريقة حياتنا معهم.
العمارة يجب أن تتبع القاعدة نفسها، يجب أن تتكيف مع محيطها، وألا تفرض على الناس طريقة حياتهم وتنقلهم وتواصلهم الاجتماعي الذي هو غريب عن تقاليدهم الموروثة.
هذا لا يعني أن البناء الجديد يجب أن يكون بالأسلوب نفسه أو باستخدام المواد القديمة نفسها. فقد بنيت مدينة حمص القديمة من سنوات كثيرة وبأساليب عدة. لكن كل جيل من البنائين حاول أن يندمج داخل البيئة التي ابتدعها أسلافه. نمو المدينة البنيوية حصل بناء على نموذج مناقض لذلك الذي تقدم به لوكوربوزييه في الجزائر، بالإحلال التدريجي بدلاً من إعادة البناء الكاملة.
بأمل أن يظهر نوع جديد من العمارة على يد نوع جديد من المعماريين. لا يمكننا بسهولة أن نعود إلى المواد الجميلة التي بنيت منها مدن الشرق الأصلية. فحتمية السرعة والراحة والمهارة المتوفرة تعني طغيان الخرسانة والصلب في المدينة المستعادة. السؤال الحقيقي هو كيف يمكن استخدامهما بحساسية، بما يناسب محيطهما، كي لا تقف المباني بشكل صارخ ومعزول فوق السكان مثل زوار من كوكب آخر.
الرغبة الشعبية
إعادة خيط الاستمرارية في حياة الناس اليومية هو هدف رئيسي في إعادة البناء، وما هو مهم للناس هو منازلهم وأراضيهم، وينبغي إدماج الرغبة الشعبية في الإحياء الفوري للممارسات التقليدية في استراتيجيات التعافي.


