يُشكّل تدمير مدينة تدمر القديمة جريمة فظيعة بحقنا جميعاً، فهو اعتداء على الثقافة الإنسانية، وعلى فكرة الحضارة نفسها. فقد دفعت مشاهد الضربات الهادئة للمطارق على نسيج التاريخ الأعزل، وتفجير الآثار في سحابة من الغبار، لسريان شعور مخيف في أعماقنا بمزيج من الخسارة الفورية العميقة، وإحساسٍ بالفجيعة.

وفيما أفقدتنا هذه التصرفات القدرة على الكلام، لما تمثله من سلوك يصعب فهمه، فكيف بالحديث عنها بعد أن أثارت فينا القلق وبطرق عدة، ليس أقله الشعور بالذنب، فعلى ما يبدو أثارت هذه الإبادة للإرث والأشياء الجامدة الصدمة لدينا أكثر من الكلفة البشرية للصراع الدائر.

تلك المحاولات لإزالة كل الدلائل على ثقافة الإنسان، شكلت نوعاً من إبادة جماعية بأثر رجعي، بل بدت إبادة تكتيكية للتاريخ نفسه في سبيل إعادة كتابة الحاضر.

الرواية الغربية

كانت الرواية في الغرب تؤطر تلك الهمجية بمصطلحات تعود فينا بالزمن إلى الوراء، واصفة تصرفات تنظيم "داعش" بأنها تليق بالقرون الوسطى، مشيرة إلى أن تلك البربرية ليست من عصرنا وإنما من زمن أكثر وحشية، فضلاً عن تقديم الأيديولوجية التي يسعى إلى فرضها هذا التنظيم كشيء من خارج الزمن، كما لو أنها تعيد قروناً من التقدم للوراء.

وفي الواقع، كما يشير الصحافي جايسون بورك، فإن "داعش" هو ظاهرة معاصرة تماماً، حيث اعتمد التنظيم على الثقافة الرقمية المعاصرة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الثقافة الشبكية، كأداة للعلاقات العامة القادرة، بالتأكيد، على أسر انتباه العالم.

وربما هناك أمر غير مريح بدأنا بملاحظته، وهو أن تكتيكاته بعيدة كل البعد عن أن تكون استثناءً. وبطبيعة الحال، يمكن فهمها كطريقة لجذب الانتباه لعاصفة من مقاطع الفيديو المقرفة من الرعب الصاعق الذي يأسر الانتباه، متضمنةً كافة الأهداف الأيديولوجية للتلاعب بوسائل الإعلام بمهارة.

وكل ذلك للتصريح بأن داعش ليس شيئاً مفصولاً عن عالمنا، بل مزروعٌ بعمق في عصرنا. ومهما كان الاعتراف بهذه الحقيقة يثير اشمئزازنا، فإننا جزء من عالمه أيضا. وباعترافنا بالطبيعة المعاصرة لهجمات داعش، فإننا نحرم هذه الهجمات من الشرعية الضمنية في حال سمحنا لأنفسنا بوضع وحشيته في سياق حقبة بربرية سابقة.

الاعتداءات على التاريخ، على التسلسل الزمني والوقت، ليست استثناء أيضا. لنتذكر ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، عندما هددت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بقصف باكستان و"إعادتها للعصر الحجري" ما لم تنضم للحرب على الإرهاب، العبارة تنسب إلى الجنرال في سلاح الجو، كورتس لوماي، الذي اقترح خلال حرب فيتنام أنه بدلا من التفاوض، ينبغي على الولايات المتحدة "قصف الفيتناميين الشماليين وإعادتهم للعصر الحجري" من خلال تدمير المصانع والموانئ والجسور "إلى أن يجري تدمير كل عمل من إنتاج الإنسان في شمال فيتنام".

تكتيك عسكري

هنا، السيطرة على الزمن نفسه تصبح تكتيكاً عسكرياً يطرح التاريخ بترتيب زمني حيث الثقافة والتكنولوجيا على مسار من التقدم القابل للتغيير والإزالة، وفقا لسرد معاصر. ويقول رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرتشل "التاريخ يكتبه المنتصرون"، وفي الواقع التاريخ هو ساحة معركة مستمرة. ولا يعد تدمير الثقافة كجزء من برنامج أيديولوجي أمراً جديداً.

لنفكر بحركة تحطيم الأيقونات أثناء حكم الملك هنري الثامن في إنجلترا كجزء من حركة الإصلاح. لنفكر أيضاً بغارات "بايدكر" للنازيين على المدن البريطانية في الحرب العالمية الثانية.

والتي دعيت كذلك، لأنها كانت تستخدم الدليل السياحي كطريقة لتوجيه القاذفات نحو الأهداف التي لها أهمية تاريخية وثقافية معينة بدلاً من قيمة عسكرية. التكتيك كان تكتيكاً من الرعب، اعتداء على ثقافة الدولة نفسها، ومحاولة لإضعاف معنويات البريطانيين وتسريع استسلامهم.

إن تدمير القطع الأثرية لقيمتها الأيديولوجية والعسكرية له تأثير كارثي على فهمنا للتاريخ، ويحجب طمس السجلات الأثرية أي إمكانية للزمن في أن يكون حواراً بين الماضي والحاضر، ليس هذا فحسب، بل يعمل أيضاً على مستوى آخر.

فالقطع الأثرية والمواقع التاريخية ليست مجرد مواضيع أكاديمية، بل إن دورها أكثر قوة ومفعولاً من ذلك. هي عبارة عن ذاكرة تجسدت في مادة، وثائق شاهدة على إنتاجها الخاص بها، تماما كتلك الأخاديد في أسطوانة قادرة على تأدية عمل تلك الذكريات المخزنة في الزمن الحاضر.

البديل الممكن

أهمية السجل التاريخي للثقافة تذهب أبعد بكثير من علم الآثار وتاريخ الفن. هذا السجل يشكل جهازاً يجترح بقوة احتمالات الثقافة البشرية، احتمالات هي غالبا على خلاف مع الأيديولوجية السائدة وقوة الزمن الحاضر. ويفيد التاريخ بأن البدائل للحاضر ممكنة، ولهذا يكون التاريخ نفسه مستهدفاً في الغالب.

يمكننا ملاحقة آثار التدمير من تدمر وصولاً إلى باميان. تلك التماثيل الأثرية لبوذا المنحوتة في المنحدر حوالي 507 ميلادي، تم تدميرها بتفجير هائل في مارس 2001 بأمر من زعيم "طالبان"، الملا عمر، وتم تعميم مقطع فيديو التدمير على وسائل الإعلام حول العالم.

الفراغات في المنحدرات التي خلفها الهدم لا تزال واضحة المعالم، لكنها ليست فارغة تماماً. عندما تنظر إلى اللاشيء، لا يمكنك إلا أن ترى ما كان موجوداً هناك، نرى غياب التمثالين كفجوتين فارغتين في الحاضر.

يطرح الفنان جيف كونز في مقابلة أجراها معه المعماري ريم كولهاوس ومؤرخ الفنون هانز أولريش أوبريست إمكانية ملء الفجوتين بعملاقين منفوخين يشبهان "الهولك الخارق". من وجهة نظره، يمكن لشخصيات عملاقة من القصص المصورة أن تقف مكان التاريخ، في احتلال عدواني لفجوة العصور القديمة بثقافة البوب المعاصرة.

وجود تلك الشخصيات عبارة عن اعتداء وشخصية "الهولك الخارق" تمثل الغضب، غضب صالح ضد أعمال التدمير التي أطاحت بالموقع. هذه الفكرة بحد ذاتها تشكل بادرة خيالية من التحدي ضد تدمير الثقافة. وربما أراد كونز أن يظهر بأن أجزاء من الثقافة يمكن تدميرها، لكن الثقافة الإنسانية نفسها لا ُتقهر.

وفيما نراقب التدمير الفاضح لمدينة تدمر القديمة اليوم، ربما هذه الطريقة الوحيدة التي يمكننا فيها الرد. فالطريقة الوحيدة للتعامل مع مثل هذه الخسارة هو في ملء مساحة الدمار بمزيد من الثقافة.