حتى وهو يعتزل الحياة العامة، وقد بلغ الخامسة والتسعين، لم يتوقف دوق أندبرة الأمير فيليب، عن إطلاق النكات، وقد أطلقها هذه المرة على نفسه، فكتب للسير مايكل عطية معلقاً على خبر تنحيه: «لم يعد بإمكاني الوقوف لفترة أطول»، كما كتب لصديق مقرب منه «لم تعد هناك فائدة ترجى مني».

ويعرف عن الأمير فيليب أنه أثار استهجان الرأي العام على مر السنين بزلات لسانه أثناء مشاركته بالمناسبات العامة وخلال جولاته الرسمية في أنحاء العالم، الآن مع اعتزاله الحياة العامة، فإن العالم والعائلة المالكة أمام مرحلة جديدة تعيد التركيز على الوجه الذي ستظهره العائلة المالكة في الحياة العامة.

قد يكون هذا هو السبب وراء استدعاء طاقم الموظفين الـ 500 إلى قصر بكنغهام أخيرا، وإعلان السكرتير الخاص للملكة، سير كريستوفر غيدت، عن إعادة تنظيم جديدة داخل القصر.

وهذا قد يكون أيضاً السبب وراء دعوة ملكة بريطانيا الملكة اليزابيث، وقد بلغت عامها التسعين، لأحفادها الشباب في العائلة، التوقف عن «الاعتراف بأمورهم الحميمية» لأنها ليست ما يتطلع إليه القصر، والتوجه «بدلاً من الانشغال في أعمالهم الخيرية إلى وضع المزيد من التشديد على واجبات الدولة»، أي القيام بالدور الذي كان يقوم به الأمير فيليب الذي شارك في أكثر من 22 ألف مناسبة عامة و637 زيارة خارج البلاد بمفرده.

وكانت التعديلات الأخيرة قد أثارت تساؤلات بشأن صحة الأمير فيليب، فعنونت صحيفة «إندندنت» على صفحاتها «ماذا يحصل إن توفي دوق أدنبرة؟»، وهو ما نفته قطعاً مصادر قصر بكنغهام.

زلات لسان

ويعرف عن الأمير فيليب مزاحه المتواصل، وكانت زلات لسانه تثير الاستهجان بأسلوبها المتعالي في بريطانيا والخارج.

ومن بين ألوف النكات المحرجة التي أطلقها في حياته، قال مرة لإحدى الفلبينيات خلال زيارته مستشفى في بريطانيا من أجل افتتاح مركز للسرطان إن بلادها لا بد أن تكون «نصف خالية من السكان لأنهن جميعاً في إنجلترا يدرن خدمة الصحة الوطنية»، وقال لرئيس نيجيريا، الأمير اولسوجن اوباسانجو، الذي كان يرتدي جلبابه الرسمي «تبدو مستعداً للتوجه إلى السرير للنوم»، ووصف الفن الأثيوبي بأنه «نوع من الرسم الذي تصطحبه ابنته معها وهي عائدة من حصة الرسم».

وأشار إلى طلبة بريطانيين خلال زيارة رسمية إلى الصين عام 1986: «إذا ما بقيتم فترة أطول هنا، ستصبح عيونكم مشقوقة كالصينيين وتحتاج للفتح بالشفرة»، ولمجموعة من الفتيان الصم في إحدى المرات: «لا عجب في أن تصابوا بالصمم، إذا كنتم تسكنون بالقرب من هناك»، مشيرا إلى الفرقة الموسيقية للمدرسة التي تضرب الطبول.

كما هنأ طالباً بريطانياً ذهب في رحلة إلى بابا نيوغينيا على تفادي أن يؤكل من قبل السكان هناك، وغيرها الكثير من الملاحظات الساخرة التي لا تحصى ولا تعد.

وعلى نقيض ذلك، كان الأمير هاري ودوق ودوقة كامبريدج يظهرون صورة أكثر نعومة في السنوات الأخيرة، لا سيما وهم يخوضون الحملات المتتالية لصالح عدد من الجمعيات الخيرية. وكانوا منشغلين أخيراً، بحملة الصحة العقلية «هيدز توغذر» عندما احتل الأمير هاري عناوين الصحف بالكشف عن أنه تحمل سنتين من «الفوضى الشاملة» في أعقاب وفاة والدته، فارسل الأمير وليام إلى أخيه هاري قائلاً: «هاري لم نتحدث بما فيه الكفاية عن والدتنا».

دفعت هذه الاعترافات مصادر القصر للتعليق بأن القصر يتوقع مواقف مختلفة الآن من الأعضاء الشباب في العائلة المالكة، وأنه بقدر ما كانت حملة الصحة العقلية ناجحة، قد يكون الاعتراف بالأشياء الحميمية من الأشياء التي لا ينتظرها قصر بكنغهام.

حياة غريبة

قد تكون الحياة الغريبة التي عاشها الأمير فيليب طبعت شخصيته. فهو ابن الأمير اليوناني آندرو والأميرة أليس أميرة بيتينبرغ في الدنمارك، وبعد ولادته اعتقل والده واتهم بالخيانة العظمى، فتدخلت بريطانيا لإطلاق سراحه. وكانت هذه بداية حوالي 30 عاما من التجوال.

عاش طفولته وحيداً بعد تفكك زواج والديه، وتنقل بين الأقارب في صراع بين جانبه الالماني وجانبه الانجليزي. لهذا يوصف كثيراً بأنه يفتقر إلى العاطفة لكن بإحساس كبير بالواجب والتقاليد، حيث ما زال بعمره واحداً من أعضاء العائلة المالكة الأكثر نشاطاً، ويترأس مئات الجمعيات الخيرية، ويسافر في زيارات رسمية، ويساعد في جمع الأموال ويطلق المبادرات، دائب النشاط، لكن يقال في المقابل بأنه متطلب وسليط اللسان في انتقاداته، حيث يقول عنه مساعده مارتن بالمر: «ما هو مؤكد أن معتقد الأمير فيليب هو الاستبداد».

من يشغل الدور

بعد كل تلك السنوات، لا يزال الأمير فيليب يتندر على حياته في البحرية الملكية، ويعلق سكرتير سابق للملكة على ذلك: «أعتقد أن فليب يشعر بالضجر من نشاطات العائلة المالكة». الآن مع تقاعده، تأمل الملكة اليزابيث أن يتولى أحد أعضاء العائلة المالكة الشباب الدور الذي كان يشغله، وقد يكون المطلوب من الأحفاد إظهار مزيد من الصلابة وتغيير أسلوبهم والابتعاد عن الاعترافات الحميمية والتركيز أكثر على دور المؤسسة الملكية.

فمن يستطع أن يجادل مخططات الملكة التي استمرت على العرش كل هذه المدة، بعد أن فقدت مساعدها الأيمن؟