سجل الإرهاب حضوره في العالم منذ قرون من الزمن، إلا أن العمليات الانتحارية الإرهابية كتكتيك لم تخضع لمجهر دراسة الأكاديميين حول العالم، ولم تبرز كهمّ يثير قلق الحكومات إلا مؤخراً.
ويلجأ إلى هذا التكتيك عدد متزايد من الإرهابيين، وهو مسؤول عن أكثر من نصف مجموع الاعتداءات الإرهابية في التاريخ. وتمخضت ظاهرة الاعتداءات الانتحارية الإرهابية عن ولادة خطابين أساسيين دائمي التضارب: الأصولية الإسلاموية والدوافع العلمانية/الاستراتيجية.
ويدفع ذلك للإجابة عن سؤال يقول، كيف يمكن لنظامين خطابيين متعاكسين استحدثتهما النخبة الأميركية أن يتغذيا أحدهما من الآخر بحيث ينتهي الأمر بالعرب والمسلمين الأبرياء بأن ينحصروا داخل تصوّر معيّن وتتم معاملتهم على أنهم مقاتلون، أو على وجه التحديد انتحاريون.
وفي حين تطورت الخطابات المتعلقة بالعمليات الانتحارية الإرهابية، ومرت بدوامات متنوعة ومحدودة من الانبعاثات، تجسّدت أبرزها عام 2001، عقب الأحداث المرعبة للحادي عشر من سبتمبر. وشكلت قبل هذا التاريخ النظرة الاستراتيجية الأكثر علمانية للعمليات الانتحارية العدسة الأساسية التي تنظر من خلالها النخبة الأميركية الحاكمة والإعلام إلى منفذي تلك الاعتداءات.
وتحمّلت المجموعات اللينينية/الماركسية، بفعل تأثير الاتحاد السوفييتي مسؤولية عدد من الاعتداءات الإرهابية في الثمانينيات ومطلع التسعينيات. إلا أن اعتداءات 11 سبتمبر أسفرت عن نمط جديد من إرهاب غيّر للأبد تصورات وتطلعات وسلوكيات ومخاوف الغرب حيال التهديد الجديد الذي أطلقه الانتحاريون. ولم يعد الأمر مجرد إشكالية سياسية أو علمانية، بل دينية محضة.
لذا لا بد من تحليل للخطابين المحيطين بالمعاني المرتبطة بالعمليات الانتحارية، والتساؤل كيف أسهمت بعض التفسيرات المسقطة جهاراً أو عن جهل من قبل المسؤولين والإعلام في سوء الفهم المستمر والتصورات المغلوطة اللصيقة ببعض المجموعات، سيما المسلمة.
ولا بدّ من التصدي للتطور الخطابي المدعو «الإرهاب الإسلاموي» باعتباره خطراً وجودياً متفشياً، والحض على التمعن بالنتائج المعيارية للهجة والعزل الإيديوغرافي، والإبداع المعرفي الناجم عن هذا التعبير. ونستنتج خلاصةً، أن النظام الثنائي المكرّس عبر النظام الكمي لتصنيف وتقسيم وتمييز دوافع الانتحاريين بين «دينية» أو «علمانية» يسهم في «عنصرة» العرب والمسلمين.
ويكشف البحث الأصلي حول تعدد أبعاد الأعمال الانتحارية الإرهابية، أن التعبير بحد ذاته مؤشر فارغ المضمون يتطلب إدراك منزلته الاسمية، وأنه مفردةً لا تشير إلى أي موضوع فعلي أو معنى متفق عليه.
ويعتبر هذا المفهوم جوهرياً لاستيعاب كيف يساء فهم المسلمين في زمننا الحالي، وكيف يمكن للخطابات الرنانة أن تؤطر طريقة تفكيرنا، وتصرفنا وتفاعلنا مع بعض الناس، غالباً دون أن نبذل أي جهد واع. ويشدد أكاديميو بعض المدارس الفكرية على أن الأعمال الانتحارية لا تستخدم لأسباب دينية أو سماوية، بل يزعمون أن التفجير الانتحاري مرتبط بمنطق علماني أو استراتيجي.
ويؤكد روبرت بايب، خلافاً للمعتقد الشائع بأن الأصولية الإسلاموية ليست المسوغ الأساسي لأعمال الانتحار الإرهابية. صاغت الإيديولوجية الدينية الطاغية تفسيرات مغلوطة حول المسلمين والعرب عموماً، وساهمت في تطبيع مواقف الساسة والمواطنين معاً، مما أدى إلى ممارسات مؤذية وسلبية بحق هؤلاء.
والحري فهم الخطاب المتعلق بالتشدد الديني وتأويلاته على أنه تعبير عاطفي نزع منه الطابع السياسي بقصد دفع المواطن عبر وسائل الإعلام ليفكر أقل ويخاف أكثر. لذا من المهم ألا نسلّم للحقائق المهيمنة تبعاً لقيمتها الظاهرية.
لكن هل يمكن تعرية التشعبات المعيارية والدوافع الخفية للخطاب الديني المتشدد؟ ويبقى الأهم، أن نتذكر بأن ممارسة العمليات الانتحارية الإرهابية تغير مغزاها بسهولة عبر الزمن تبعاً لطبيعة معناها الجوهري الذي يرادف لا شيء وكل شيء في آنٍ واحد.
500
وأشار أحد تقارير مكتب التحقيقات الفدرالية «إف بي آي» إلى أن جرائم الكراهية المرتبطة بالإسلام لم تتجاوز ال20 أو 30 في العام قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. إلا أن نسبة الجرائم ارتفعت تدريجياً وتراوحت بين 100 و150 في العام عقب حادثة انهيار البرجين عام 2001، الذي سجل حوالي 500 عملية إرهابية.
يمكن تقسيم مختلف الدراسات المكرسة لشرح أسباب الأعمال الانتحارية الإرهابية إلى مستويين من التحليل، حيث نجد الذين يركّزون على الفرد الانتحاري وآخرين يشددون على الدوافع التنظيمية. ويتفق المحللون على صعوبة تشخيص الانتحاريين فرادى نظراً لتنوع خلفياتهم.
ويزعم الباحثون أن هؤلاء لا يعانون أمراضاً نفسية ملحوظة أو عقلية تحفزهم. ولم تحدد أية دراسة الشروط الضرورية أو الكافية لإقدام الأشخاص على التفجيرات الانتحارية بالرغم من الإشارة إلى أسباب كالالتزام بالقضية والرغبة بالانتقام وتوقعات ما بعد الموت.
ويزعم أصحاب إحدى المدارس الفكرية أن الفرضية الدينية المغلوطة قد غذّت الاعتقاد بإمكانية تفادي الاعتداءات الإرهابية مستقبلاً عن طريق تحويل المجتمعات المسلمة بالكامل.

تكتيك
يتضح أن تكتيك العمليات الانتحارية قد أحدث ضرراً مباشراً في البنى التحتية والناس في العالم أجمع، لكنه عدل كظاهرة بشكل غير مباشر المفاهيم المتعلقة بأصول العرب وطريقة حياتهم، ورسم شكل السياسة الأميركية بأوجه غير مسبوقة.

تكتيك بخس التكلفة
يظهر تحليل التصريحات الرسمية والتقارير الإخبارية بالعمق، أن الخطاب المتشدد لا يعتمد كنموذج يتسيّد أميركا وحسب، بل تبين أنه انعكس على المسلمين في البلاد بعدة طرق، سواء في زيادة الإجراءات الأمنية للحكومة على المساجد، أو أعمال العنف الممارسة من قبل المجتمع المدني على المسلمين.
ويجادل الباحثون بالقول إن قرار المنظمات الإرهابية تنفيذ عمليات انتحارية تملك هدفاً استراتيجياً سياسياً علمانياً واحداً يتمثل باستخدام تكتيك بخس التكلفة عميق التأثير. وقد تم توظيفه كمناورة منطقية استراتيجية تدفع الديمقراطيات الغربية والأوروبية إلى سحب قواتها العسكرية من الأراضي التي تعتبرها موطنها. لذا لا بدّ من المطالبة بإيجاد طريقة أخرى مغايرة وبناءة للنظر إلى المنظمات الإرهابية ودوافعها لاعتماد التكتيك الانتحاري.
.
نعوم تشومسكي - محلل استراتيجي
إحدى طرق الحدّ من الإرهاب عدم المشاركة فيه

فلاديمير بوتين - الرئيس الروسي
الإرهاب لا هوية له ولا دين

جاك شيراك - رئيس فرنسا الأسبق
أصبح الإرهاب سلاح حرب منهجياً لا يعرف حدوداً وبالكاد يملك هوية
