يؤشر انتخاب مون جاي إن رئيساً لكوريا الجنوبية، إلى مقاربة جديدة حيال الملف النووي لكوريا الشمالية، ربما تكون أكثر انفتاحاً على الحوار، حيث أكد في أول تصريح له، رغبته في زيارة بيونغيانغ، وكان مرشح الحزب الديمقراطي أحد أبرز ركائز القمة الثانية بين الكوريتين عام 2007.

والأخيرة التي جمعت قادة الشقيقتين العدوتين. كما أنه من أصل شمالي، إذ لجأ والده ووالدته إلى الجنوب فراراً من الحرب التي دارت في مدينة هامهونغ، ثاني أكبر مدن كوريا الشمالية، أواخر أربعينيات القرن الماضي، فوصلا إلى جنوبي جزيرة غيوج.

واختارت الأغلبية الساحقة في كوريا الجنوبية مون جاي-إن رئيساً لها، وأورثته قيادة بلاد مترعة بالفساد ومتعطشة لقائد يمتلك رؤية جديدة، وتقف عند مفترق رهانات صعبة استهلها جاي-إن بجملة افتتاحية، تلت إعلان فوزه، تقول: «اليوم نشرع الأبواب أمام جمهورية كورية جديدة».

ويأتي جاي-إن من خلفية متواضعة، فالرئيس البالغ من العمر 64 عاماً، مولود في جزيرة غيوج الواقعة على الساحل الجنوبي لكوريا الجنوبية، لوالدين لاجئين فارين من أهوال الحرب. وأبدى جاي-إن الطالب، برغم فقره المدقع، علامات تفوق مبكر.

واكتسب مكانة مميزة في جامعة سيؤول في السبعينيات، حيث كان يدرس المحاماة. هربت عائلته من كوريا الشمالية أيام الحرب، وأمضى طفولته الأولى على ظهر أمه بائعة البيض وزوجة عامل في أحد مخيمات الاعتقال.

دخل كلية المحاماة واعتقل لنشاطه السياسي، وانخرط في صفوف الجيش وآثر الدفاع عن حقوق الإنسان، ولقب بـ«طيف روه»، وحلم دوماً بالعودة إلى مسقط رأسه في الشمال. خسر صاحب «الشخصية الخجولة» والطبع «المحرج المثير للسخرية»، رئاسة كوريا الجنوبية أمام بارك غوين هيو عام 2012، ليتبوأها في 2017.

حياة صعبة

وتشير معطيات سيرة جاي-إن الذاتية، إلى أنه ولد في عام 1953، وأمضى سنوات عمره الأولى مربوطاً على ظهر والدته أثناء عملها في بيع البيض لتأمين قوت العائلة، فيما كان والده يعمل في أحد مخيمات الاعتقال في مدينة بوسان الساحلية.

عام 1972، دخل جاي-إن كلية الحقوق، لكنه لم يصمد طويلاً، حيث اعتقل على خلفية قيادة تظاهرات ضد حكم بارك تشونغ-هي الاستبدادي. إلا أنه تمكن في السجن من أن يجتاز اختبارات النقابة، فأطلق سراحه.

تطوع جاي-إن في صفوف جيش كوريا الجنوبية عام 1976، وافتتح بعد ست سنوات مع صديقه ورئيس كوريا الجنوبية المستقبلي روه مو-هيون، مكتباً للمحاماة في بوسان، ركز على الدفاع عن حقوق الإنسان. وفي حين آثر مون منصات المحاكم، اختار مو-هيون طريق السياسة، وانتخب رئيساً عام 2003، ليصبح مون أكبر مستشاريه، ويلقب بـ «طيف روه».

عدم الارتياح

ولا يزال من المبكر الحسم بانعكاس رئاسة جاي-إن على كوريا الجنوبية، وهو القائل: «لطالما شعرت بعدم الارتياح، وبأن العمل السياسي لا يناسبني، وكأني أرتدي ملابس لا توافق مقاسي. وقد فكرت مراراً بالعودة إلى مهنتي كمحامٍ». لكن الحلم بالعودة إلى موطنه الأم حلم لا يفارقه، وقد أشار في كتابه الأخير إلى ذلك، بالقول: «كنت أفكر بأن أنهي حياتي في هانغنام ممارساً للأعمال الخيرية. وسيكون أول ما أفعله ما إن نتوحد سلمياً مجدداً، أن أصطحب والدتي التسعينية إلى بلدتها الأم».