أصبح «خطاب الكراهية» بتعريفاته المختلفة بحكم المحظور في عدد من الدول.
إلا أن المنع واسع النطاق لخطاب أو أدب الكراهية مترعٌ بالملابسات والضحالة الفكرية والمعايير المزدوجة بحيث إنه يشكل عائقاً جدياً لقيم المجتمع المنفتح.
وإذا تغاضت شعوب العالم المنفتح عن حظر «خطاب الكراهية» لاعتقادها بأنها ترتبط حصراً بفظائع التعصب الشائنة، فإنها لا تقدّر فعلياً اكتساح المحظورات وسوء الاستخدام الكامن للمطالب المباحة شرعاً.
وتطغى، وفقاً لمصادر تعريف «خطاب الكراهية» سمة المفهوم المغلوط، ويشير أحد تلك المصادر إلى ذلك بالقول: «يمكن تعريف خطاب الكراهية على أنه توجيه نعوت قاسية وإهانات شخصية عدائية للفرد المقصود أو لمجموعة عرقية، دينية، وأصول إثنية، أو لجنس ما، على نحو قد يحرض على العنف والكراهية أو التمييز».
وتبرز في هذا التعريف الذي يعتبر نموذجياً نوعاً ما نقاط عدة، أبرزها أنه لا يمتد للإحاطة بالبحث الجدي، بما أنه يقتصر على «نعوت متطرفة وإهانات شخصية عدائية»، ويتضمن التعريف كلمات مطاطة غامضة يمكن توسيعها أو تضييقها حسب الطلب، سيما مفردات «عدائية»، «موجهة ضد»، و«قاسية»، و«قد».
ولابد من فهم جملة «عرقية، دينية، وأصول إثنية، أو لجنس ما» من منطلق إيديولوجي يعكس تأييد اليسار، منذ الحرب العالمية الثانية لعدد من المجموعات المهمّشة، أو الساخطة ضد المجتمع. وتجدر الإشارة إلى أن عدداً قليلاً جداً من التعريفات ضمّ الكراهية بناءً على «الطبقة»، واقتصر على ما يهتم له اليسار، علماً أن الملايين أعدموا باسم «الصراع الطبقي» في القرن العشرين.
وينبغي إعطاء أهمية خاصة لفكرة استعمال مفردة «الكلمات» الموجهة ضد الفرد وليس الحديث، في خطوة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالخطاب الديماغوجي.
ويحتل إدراك الدافع الكامن وراء «خطاب الكراهية» أهمية كبرى، ويكتسب بريق الشرعية بناءً على واقع يقول إنه لا يوجد شخص محترم يرغب بأن تهشم الشتائم والإهانات العلاقات الحضارية والسلمية بين الأفراد. علماً أن وازع خطاب الكراهية يتعدى هذا الحدّ بكثير. إن مفهوم القبول السياسي المستحدث نسبياً ينبثق من الإذعان الأوروبي والأميركي لنظرة اليسار للعالم وإصراره على أن هذه النظرة هي الوحيدة التي تستحق الموقف الأخلاقي الواجب إسماعه.
يعتمد حظر «خطاب الكراهية» بحيز كبير منه على الانتقائية ويعكس وجهة نظر اليسار من العالم، بما يشكل مصدر اعتراض بالطبع. ومن الطبيعي أن المسألة تستحق معاينة بالعمق، لكن لابد أيضاً من النظر فيما قد ينطوي عليه الحظر غير الانتقائي ضد النطق بأنواع «الكراهية».
ما كان يمكن للحضارة أن تقوم لولا وجود كمّ هائل من التعاون، والتنافس المنظم، والتحضر، والصداقة، والتعاطف، والبناء المثمر. ويزخر العالم في الوقت عينه بعداوات لا تحصى، تلقي بظلالها ثقيلاً. ومن السذاجة التفكير وفق ما تشير الإيديولوجية الحالية في منطقها التبسيطي الفاضح، بأن مشاعر العداوة تلك بغالبيتها، لا مسوغ لها، تستند إلى معطيات خاطئة تتعلق بالأنماط العرقية والإثنية السائدة، في حين أن مسبباتها كثيرة ومتعددة.
إن حلّ مسألة الكراهية ليس بالأمر الهيّن، سيما أن طبيعة التوازن المدروس والمتزن تبدو مواربة ومربكة، إلا أن الأمر الأكيد الوحيد هو أن الحلّ المناسب لن يكون إلا بإزالة تفاهات الخداع الذاتي المفاهيمي والإيديولوجي. كما لابدّ من التقدير وبوعي تام قيمة الخطاب المنفتح، سيما البحث الصادق. وهو ما نحن بعيدون عنه كل البعد في عالم اليوم.

KKK
اندرجت منظمة «كو كلوكس كلان» ضمن المجموعات التي أيدت ترامب، وقد خصصت تأييدها عبر صحيفة «كروسايدر» الرسمية الناطقة باسمها صفحتها الأولى لتبني رسالة شعار حملة ترامب القائل «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، باعتبار أنها تأسست على يد البيض.
1953
ثار منذ حوالي نصف قرن مضى، المجتمع المثقف حول العالم حين حوّل الاتحاد السوفييتي في ظل ستالين العلم إلى أداة إيديولوجية. وفي عام 1948 صادقت أكاديمية لينين للعلوم الزراعية على نظرية صاغها العالم البيولوجي تروفيم ليسينكو تقول إن الكائن ينقل الخصائص المكتسبة بيئياً إلى الجيل التالي. وتعرضت نظرية علم الوراثة الجينية لغريغور مندل للشجب بوصفها «علوماً برجوازية» وقمعت حوالي عقد من الزمن سوفييتياً حتى وفاة ستالين عام 1953.
وروّعت «الليسينكووية» الأوساط العلمية، لجهة تضارب التلاعب الإيديولوجي للبحث العلمي مع طبيعة العلم كبحث دائم عن الحقائق، قائم على الأمانة والمصداقية.
نجد اليوم، مساحات بحث واسعة معزولة عن مبدأ الدراسة الموضوعية المتأنية، حيث تتفوق الإيديولوجية، مدعومة من قوى المنع الرسمية للدولة. ولا نسمع، في ظل ما يشهده عالمنا اليوم أي صرخة دولية بوجه الرقابة، بل نلمس رغبة شبه عالمية لتطويع الفكر بما يتلاءم مع ما يعتبره الرأي المرموق مقبولاً من الناحية الإيديولوجية، أي السياسية. وتفرض الأجواء السائدة في عالم الغرب تهديداً للعلم الحقيقي يتجاوز ذاك الذي كان أيام ليسينكو.

الكراهية بين الخطاب والجريمة
عزا بعض النقاد تفاقم حدة خطاب الكراهية إلى تعبئة الحملات الانتخابية الأخيرة التي شدد بعضها على كره الأجانب والإسلاموفوبيا، في حين أكدت الوقائع والإحصائيات وصول الكراهية إلى حدّ الجريمة. وتناقلت التقارير الأخيرة أخبار حوادث ضحاياها من أصحاب انتماء عقائدي معين أو مجموعة مجتمعية أو توجه ما. وكثرت الجريمة في الشوارع والمدارس والمؤسسات، وتنوعت بين تخريب وإهانة وتحرش وتنمر ورسومات وكتابات مسيئة انتهاءً بالتصفية الجسدية. وسجل العام 2016 أرقاماً لإحصاءات أشارت إلى أن جرائم الكراهية ارتفعت بمعدل 41% عقب البريكسيت، وأن ألمانيا شهدت ما معدله 10 اعتداءات في اليوم ضد مهاجرين. وكشفت شرطة نيويورك عن ارتفاع معدل الجريمة في المدينة إلى 31.5% بين عامي 2015 و2016.

اللاعنف لا يعني تجنب العنف الجسدي بل النفسي أيضاً. فأنت لا ترفض قتل إنسان بل ترفض أن تكرهه كذلك.
مارتن لوثر كينغ ناشط وزعيم سياسي أميركي

حرية التعبير إحدى ركائز الحكومة الحرة، التي تنحل بانهيارها تركيبة حرية المجتمع.
بنجامين فرانكلين أحد مؤسسي الولايات المتحدة البارزين

إن كنا لا نؤمن بحرية تعبير الشعوب التي نكرهها، فإننا لا نؤمن بالحرية مطلقاً.
نعوم تشومسكي مؤرخ وناقد وناشط سياسي أميركي

