عادةً ما تروى قصة اختراع الحواسيب من باب إخبار قصة الأشياء، بدءاً من المعداد وصولاً إلى المحرك التحليلي، مروراً بآلات تحليل الشيفرات في الحرب العالمية الثانية. ويُفهم في الواقع بطريقة أفضل كتاريخ للأفكار، التي تتمخض أساساً من المنطق الرياضي، كنظام غامض ظهر أولاً في القرن التاسع عشر.

وكان الفلاسفة الرياضيون رواد المنطق الرياضي، سيما جورج بوول وغوتلوب فريج قد استلهموا من حلم غوتفريد لايبنتز بابتداع «مفهوم لغة» كونية، وعلم المنطق القديم لأرسطو. ويشتهر اسم بوول اليوم في أوساط علماء، الذي يوصف عادة بالعالم الرياضي رغم تصنيفه لنفسه على أنه فيلسوف يسير على خطى أرسطو، وإشادته به في مقدمة أحد كتبه بوصفه مخترع المنطق، وصاحب التأثير الأول على أعماله، حيث كتب: «ارتبطت مسألة المنطق، في صيغتها التقليدية، حصرياً باسم أرسطو.

وقد استمر هذا العلم كما طرح في اليونان القديمة، بشقيه التقني والميتافيزيقي في مجموعة كتب»أورغانون«أو المنطق، إلى يومنا هذا دون أن تطرأ عليه إلا تعديلات تذكر».

وشكلت محاولات تحسين علم المنطق الخاص بأرسطو خطوة فكرية جريئة، سيما أن كتاب «أورغانون» المؤلف من ستة أجزاء للفيلسوف ظل يحتل مكانةً مركزيةً في شريعة العلماء لأكثر من 2000 عام. وساد الاعتقاد واسع النطاق بأن أرسطو قد كتب كل ما يجب أن يقال حول المسألة. وعلق الفيلسوف إيمانويل كانط على ذلك بالقول إنه منذ أيام أرسطو لم يستطع المنطق: «السير خطوةً واحدة للأمام، وبالتالي فإن عمله يبدو تاماً ومنجزاً».

وتركت الطريقة البديهية لأرسطو المتعلقة بتفكير الإنسان العاقل تأثيرها على كتاب أكثر شهرةً، هو "العناصر" لإقليدس. فعلى الرغم من تعامل الكتاب بوضوح مع مسائل الهندسة الرياضية، لكنه أصبح المرجع القياسي لتعليم المنطق الاستنتاجي الدقيق. واستمر اتباع علم الهندسة الرياضية القائم على المخططات المكانية لإقليدس حتى ثلاثينات القرن السابع عشر مع مجيء رينيه ديكارت، الذي أثبت أنه يمكن التعبير عن هذا العلم بالصيغ الرياضية. وشكل العمل الذي حمل عنوان «المقال عن المنهج» أول نص رياضيات في الغرب يروّج للمبادىء الثابتة في علم الجبر. وأدى هذا التطور مع الوقت إلى نشوء حساب التفاضل والتكامل بعد 30 عاماً على يد كل من إسحق نيوتن وغوتفريد لايبنيز.

وتجلى هدف بوول بالتقديم للمنطق الأرسطوي ما قدمه ديكارت لهندسة إقليدس الرياضية: أي التحرير من حدود الحدس البشري وإعطائه صيغةً جبرية محددة.

وأوجد «التحقيق في قوانين الفكر» لجورج بوول حقلاً بحثياً جديداً، المنطق الرياضي، الذي أصبح في السنوات اللاحقة أنشط ميادين البحث الرياضي والفلسفي. ووصفه برنارد راسل بالعمل الذي كشف وجه الرياضيات الخالصة.

اتسمت إنجازات شانون بالتمييز بين الأنظمة المنطقية والمادية للحواسيب، وأدرك أن النظرية الصحيحة ستكون «متناظرة تماماً مع حساب القضايا المختص بالرياضيات والمنطق والمستخدم في الدراسة الرمزية للمنطق».

أما تورينغ فعمل بنهج يمتد إلى لايبنيز الفيلسوف العملاق التي شكلت اللغة الجدية المسماة «الخاصية العالمية» أبرز إسهاماته في الفكر الحديث، وافترض أنها توازي الهيروغليفية المصرية باستثناء أن الأحرف قد تتطابق مع المفاهيم «الذرية» للرياضيات والعلوم. ومع أن لايبنيز لم يحظ بفرصة تطوير لغته الكونية أو اختراع آلة متوافقة معها حتى عام 1879، على يد أهم فلاسفة القرن ال19، الألماني فريجيه الذي وضع نظاماً منطقياً أكثر تطوراً، لا يزال يعتمد مع تعديلات طفيفة إلى اليوم في صفوف الفلسفة وعلوم الكومبيوتر.

وبرز برنارد راسل ولودفيك ويتغنشتاين كأهم تلامذته وأشهر فلاسفة القرن العشرين. بدأ المنطق كطريقة لفهم قوانين الفكر، وساعد فيما بعد على اختراع آلات عاقلة وفقاً لقواعد المنطق الاستنتاجي، الذي يتحد اليوم مع المنطق الاستقرائي لابتكار ماكينات تفكر وتتعلم. وما قد حسب بوول بتحقيق «يستقصي طبيعة وتكوين العقل البشري»، قد يتمخض عن ابتكار عقول جديدة -اصطناعية- قد تضاهي يوماً ما عقولنا أو تتفوق عليها.

إيدفاك

مكنت رؤى شانون وتورينغ حول العلاقة بين الإلكترونيات والمنطق والحوسبة تطبيق الآليات المفاهيمية على تصميم كومبيوتر، تمكّن فون نيمان من وضعه خلال الحرب العالمية الثانية، ودون عام 1945 مواصفات «إيدفاك»، وهو "حاسوب البرنامج المخزن" الأول، ويعتبر الدليل الحاسم لتصاميم حواسيب اليوم.

1901

اندرج المنطق الرياضي بدايةً في فئة الفذلكات التجريدية الميؤوسة والمجردة من أية استخدامات معقولة. وقد علق أحد علماء الكمبيوتر على ذلك بالقول: «لو استدعي أحد الدخلاء الموهوبين والمتعاطفين في العام 1901 لإجراء استطلاع على العلوم وتسمية الفرع الأقل فائدةً للقرن المقبل، لوقع اختياره ربما على المنطق الرياضي». إلا أنه العلم الذي شكّل ركيزةً اختصاصية سيكون له الأثر الأعمق على عالم اليوم.

وشهد تطور علوم الكمبيوتر ذروته منطلقاً من المنطق الرياضي في ثلاثينيات القرن مع بحثين مرجعيين: الأول لكلود شانون بعنوان: «تحليل رمزي لدارات الترحيل والتبديل»، والثاني لآلان تورينغ بعنوان: «حول الأعداد الحسابية، تطبيقاً على مسألة القرار». ويعتبر كل من شانون وتورينغ اثنين من عمالقة تاريخ علوم الكمبيوتر، لكن غالباً ما يتم تجاوز أهمية الفلاسفة وعلماء المنطق الذين سبقوهما.

ويشكل عمل شانون بحثاً نموذجياً في الهندسة الكهربائية، لكنه يعتمد على عمل في الفلسفة الرياضية يعود ل90 عاماً كمرجع أول، وهو «التحقيق في قوانين الفكر» لجورج بوول.

برمجة الحواسيب المتعلمة

غدت برمجة الكومبيوتر منذ الأربعينيات أكثر تعقيداً، إلا أن أمراً واحداً لم يتغير وهو مضي المبرمجين في تحديد القوانين التي تتبعها الحواسيب. وبتعبير فلسفي، فإن البرمجة اتبعت تقليد المنطق الاستنتاجي، والتلاعب بالرموز وفق القواعد المعتمدة.

لكن الأمر تغير في العقد المنصرم مع شهرة التعلم على الآلة واختراع أطر عمل لتعلم الماكينات وفق منطق الاستدلال الإحصائي.

اليوم تستخدم التقنيات الواعدة لتعلم الآلة الشبكات العصبونية التي اخترعها وارن ماكالوك ووالتر بيتس في الأربعينيات، والتي ارتكزت على تطوير حساب التفاضل والتكامل لعصبونات يمكن وفق منطق بوول، استعمالها لبناء دارات الكومبيوتر.

المحرك التحليلي هو حاسوب ميكانيكي صُمم على يد عالم الرياضيات الإنجليزي تشارلز بابايج.

المعداد أو أباكوس باللغة اللاتينية: محسبة يدوية تتكون من إطار خشبي على شكل مستطيل يصل بين ضلعيه أسلاك يختلف عددها حسب الحاجة إلى عدد المراتب المطلوبة من الناتج.

آلة إنجما: هو اسم يُطلق على أية آلة من عائلة الآلات الكهروميكانيكية الدوارة التي تستخدم لإنتاج الشيفرة السرية، وتشمل طرازات مختلفة تستخدم لتعمية وفك تعمية الرسائل السرية.