من بين المتغيرات الكثيرة التي جاء بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سياسة أميركا التجارية، ما أوضحه بشأن اعتقاده بأن اتفاقات التجارة الثنائية هي أفضل من الاتفاقات الإقليمية ومتعددة الأطراف.
بالنسبة لشركاء أميركا التجاريين، بما في ذلك الدول النامية، يطرح صعود النزعة الثنائية أسئلة ثلاثة. أولاً، كيف ستتغير دينامية المفاوضات؟ ثانياً، هل ستسمح بإدارة فعالة للتجارة الدولية؟ وثالثاً، ماذا تشي به بشأن الاتجاه العام لنظام التجارة الدولي؟ وفي كل اعتبار من هذه الاعتبارات، هناك أسباب تدعو للقلق.
فقد خاض دونالد ترامب حملته من وجهة نظر مؤيدة للحمائية، ومن بين أول أعماله بصفته رئيساً، انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي.
لكنه شدد أيضاً منذ توليه مقاليد السلطة على أنه لا يعارض كل الاتفاقات التجارية، وأنه يدعم اتفاقات جديدة، طالما يجري التفاوض بشأنها على أسس ثنائية. أخيراً، قال ترامب للمشرعين الجمهوريين: «صدقوني، سيكون لدينا الكثير من الاتفاقات التجارية، ستكون كل اتفاقية على حدة، لكن سيكون هناك طبق هريسة كبير».
ويعتمد تبني ترامب للاتفاقيات الثنائية على فهمه للاقتصاد العالمي باعتباره صراعاً محصلته صفر، خاسراً مقابل رابح. وانطلاقاً من ذلك، فإن السؤال الرئيسي في تقييم أي اتفاق تجاري ليس ما إذا كان يولد مكاسب اقتصادية شاملة، لكن كيف يجري توزيع المنافع بين البلدان، ومن يحصل على الكعكة الأكبر.
وما يثير قلق ترامب هو أنه في المفاوضات التجارية السابقة، وتحديداً تلك التي تضم عدة دول مختلفة، سمح المفاوضون الأميركيون لبلدان أخرى أن تكسب على حساب أميركا. لكن في المفاوضات التي تعتمد كل دولة على حدة، يفيد ترامب أن أميركا سيكون لها نفوذ أكبر، وبالتالي ستكون قادرة على الحصول على حصة أكبر من المكاسب.
شحنة الطاقة الأولى
حتى الآن، ليس واضحاً أي من البلدان المحددة يهدف ترامب الى توقيع اتفاقات تجارة جديدة معها. وفيما شحنة الطاقة الأولى للإدارة بدت أنها تركز على بريطانيا واليابان، فإن لائحة من الأهداف المحتملة تتراوح من روسيا إلى فيتنام وتايوان، كما أفادت مصادر إعلامية بأن ترامب قد يقدم صفقة ثنائية للهند.
وعلى الرغم من أنه من غير المحتمل أن تكون أكثر البلدان فقراً في الصدارة، إلا أن العديد من الاقتصادات النامية والناشئة تواجه احتمال إطلاق مباحثات تجارة ثنائية مع الإدارة الأميركية.
وفيما يشير اهتمام ترامب في السعي وراء اتفاقات تجارة جديدة إلى أنه لن يتبع جميع دوافعه الحمائية، فإن تبني إدارته للاتفاقيات الثنائية يحمل ثلاثة مخاطر لشركاء أميركا التجاريين.
أولاً، الانتقال من المنابر الإقليمية ومتعددة الأطراف إلى الاتفاقيات الثنائية المحضة سيؤدي إلى تحول في دينامية المفاوضات بين الشركاء التجاريين المحتملين. ويعتقد ترامب بالتأكيد بأن الولايات المتحدة يمكنها أن تستخدم قوتها بشكل أفضل في سبيل تشكيل اتفاقات تتماشى ومصالحها عبر الصيغ الثنائية.
وفيما قلل من شأن القوة التي تتمتع بها أميركا في المباحثات الإقليمية، غير أنه ينبغي على البلدان النامية أن تكون حذرة بشأن مثل هذه الخطوة. فالمفاوضات متعددة الأطراف تسمح بمقايضات وفقاً لتحالفات يمكنها أن تعمل على تشذيب الاختلال في توازن القوة أحياناً.
وبالإضافة إلى ذلك، ومع انخراط المزيد من اللاعبين في المفاوضات التجارية، فإن هناك مجموعة أكبر من النتائج المحتملة، مما يوجد فرصاً لحلول مبتكرة مربحة للجانبين، فيما تعمل المفاوضات الثنائية على تقييد مجموعة الاتفاقات المحتملة.
ثانياً، شبكة من الاتفاقات التجارية الثنائية تعزز بدرجة أقل بكثير التكامل العالمي الكفؤ مما تفعل المعاهدات الإقليمية ومتعددة الأطراف بالمقارنة. ولا تلتقط العلاقات الثنائية الصورة الكاملة للكيفية التي تعمل بها التجارة الدولية عملياً في اقتصاد اليوم.
فالمصانع لا تنتج في الداخل وتصدر المنتج النهائي إلى دولة أجنبية، وبدلاً من ذلك، فإن الشركات تشارك في سلاسل القيمة العالمية، حيث مراحل الإنتاج مقسمة عبر بلدان متعددة.
وبما أن اتفاقيات التجارة التفضيلية تشتمل على شروط قواعد منشأ السلع التي تحد امتيازات التعريفات الجمركية على السلع المنتجة بدرجة كبيرة داخل الدول الأعضاء في الاتفاقية، فإن الاتفاقات الثنائية لا تكون عوناً يذكر في الغالب لسلاسل القيمة العالمية، حيث مدخلات الإنتاج مستوردة من أعضاء خارج الاتفاقية.
وعلاوة على ذلك، فإن الاتفاقيات التجارية مهمة ليس فقط في خفض التعريفات الجمركية، لكن أيضاً في المساعدة على مواءمة المعايير واللوائح التنظيمية لتيسير التجارة الدولية، فيما التفاوض على وضع المعايير على المستوى الثنائي هو أقل كفاءة بكثير.
وسوف تجد الشركات من المكلف والمربك تتبع العديد من مجموعة اللوائح التنظيمية التجارية المتداخلة التي يجري التفاوض عليها في إطار اتفاقات مختلفة، والتي قد تكون على خلاف مع بعضها البعض.
غرف الغنائم
ثالثاً، وربما الأكثر خطورة بالنسبة للدول النامية، من الممكن أن يميل نهج ترامب تجاه الثنائية نحو دفة النظام التجاري الدولي باتجاهات مثيرة للقلق. ويجب على الشركاء التجاريين المحتملين أن يسألوا أنفسهم عما إذا كان من شأن إطلاق مفاوضات ثنائية مع الولايات المتحدة أن يساهم بتقويض نظام التجارة المفتوح الأوسع نطاقاً. وفي هذه الحالة، يبدو واضحاً أن ترامب ينظر إلى اتفاقات التجارة الثنائية كجهد يرمي إلى انتزاع الغنائم من الاقتصاد العالمي.
والتخلي عن الاتفاقات الإقليمية ومتعددة الأطراف من أجل رؤية عالمية ثنائية يمكن أن يضفي الطابع المؤسسي على نهج ترامب «المركنتالي» لنظام التجارة الدولي هذا، حيث البلدان محاصرة في سباق محصلته صفر للفوز بحصص الأسواق، بدلاً من التعاون على تحسين الكفاءة الاقتصادية. وعلى المدى الطويل، يتمثل الخطر في أن القواعد والأعراف والقوانين التي تحكم العلاقات التجارية سوف تضمحل جنباً إلى جنب مع فعالية وشرعية منظمة التجارة العالمية.
ومع كل التظلمات المقنعة التي قد تمارسها البلدان النامية تجاه منظمة التجارة العالمية، فإنه من غير المحتمل أن تعمل بشكل أفضل في ظل نظام تجاري مركنتالي ( قومي اقتصادي) يعتمد على تقليص الواردات وزيادة الصادرات، بمشروعية أقل قائم على القوة.
في حال إصرار ترامب على مشاركة إدارته فقط في مفاوضات تجارة ثنائية، ستحتاج الحكومات إلى موازنة منافع الوصول التفضيلي إلى السوق الأميركي في مقابل المخاطر المحتملة المذكورة أعلاه. و
نظراً لأن الولايات المتحدة تتمتع أصلاً باقتصاد مفتوح نسبياً، فإن المنافع قد تكون متواضعة، فيما المخاطر المحتملة قد تكون شديدة الوطأة. البلدان الساعية إلى تعزيز التحرير الاقتصادي قد ترغب في التفكير مرتين بشأن الشروع في صفقات ثنائية تحت شروط ترامب.
وخلال حقبة من ازدياد الحمائية، فإن الأولوية الأساسية للبلدان المعتمدة على الاقتصاد العالمي ينبغي أن تكون الحفاظ على هيكلية أسس مفتوحة لنظام التجارة الدولي. ومن المحتمل أكثر أن يتحقق هذا الهدف على المستوى الإقليمي ومتعدد الأطراف.
أنغرتياستو لوكيتا - وزير التجارة الإندونيسي

النظام الذي تديره منظمة التجارة العالمية هو أفضل مشروع تجاري متعدد الأطراف اليوم، بدائل أخرى ستكون عبارة عن فوضى حيث يمكن لدولة أن تعاقب أخرى من جانب واحد من دون إجراءات قانونية سليمة.
بيتر نافارو - رئيس المجلس التجاري الوطني في البيت الأبيض

تسعى كل من الصين واليابان وألمانيا إلى خفض قيمة عملتها. وتواصل ألمانيا استغلال دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بـ «بمارك ألماني ضمني» بأقل من قيمته. العجر التجاري الأميركي مع ألمانيا من أصعب القضايا والمطلوب مباحثات ثنائية خارج قيود الاتحاد الأوروبي التي تخضع لها برلين.
أضرار محتملة باعتماد الحمائية

تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقليص العجز التجاري مع الصين من خلال فرض تعريفات جمركية لن يضر بثاني اقتصاد في العالم فحسب، بل سوف يضر أيضاً بباقي آسيا، ويبطئ النمو في المنطقة الأفضل أداء في العالم، والتي تشكل %67 من العجز التجاري في السلع لأميركا.
ويمكن أن ترد الصين على الاستثمارات الأميركية من خلال استهداف قطاعات كالإلكترونيات والمنسوجات. وأي خطوة مفاجئة لبيع سندات الخزانة أو تخفيض قيمة اليوان تبدو غير محتملة، إلا أن الانتقام التجاري محتمل جداً، ويشير إلى أن الاستثمار الأميركي بالصين أعلى من الاستثمار الصيني بأميركا، مما يعني أن الولايات المتحدة ستتأذى بصورة أكبر. «تقرير بلومبيرغ»
ويلبور روس - وزير التجارة الأميركي

الصين هي الدولة الأكثر حمائية بين البلدان الكبيرة جداً، تتحدث عن التجارة الحرة أكثر مما تمارسها في واقع الفعل.. لست ضد التجارة، بل إنني مؤيد للتجارة إنما للتجارة المنطقية، محاولاً تخفيف المخاوف من أن فلسفة ترامب «أميركا أولاً» سوف تؤدي إلى الحمائية.
وثيقة
يتعهد ترامب بإعادة التفاوض على كل واحدة من اتفاقيات التجارة السيئة تلك، وفقاً للمبادئ الواردة في مبدأ ترامب التجاري، أي أن أي اتفاق لا بد أن يزيد معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، ويخفض العجز التجاري، ويعزز القاعدة الصناعية الأميركية.
وثيقة «تقييم خطة ترامب الاقتصادية» لوزير التجارة ويلبر روس ورئيس مجلس التجارة الخارجية بيتر نافارو.

