على أرض صغيرة جداً ومساحات تكاد تكون على مقاس «علبة كبريت» من الفرات شرقاً إلى الرقة غرباً، من حدود تركيا شمالاً إلى الباب جنوباً، يتوزّع لاعبون حيويون على خطوط تماس متقاربة قابلة للاشتعال في أية لحظة.

هنا شرق سوريا.. يسيطر الأكراد وقوى أخرى متفرّقة متحالفة معهم على مدينة منبج وما وراءها شرقي الفرات، تمتد سيطرتهم إلى محيط الرقة جنوباً، وعلى مقربة من منبج تنتشر قوات روسية وأخرى تابعة للنظام السوري، فيما تتمركز قوات المعارضة السورية والجيش التركي في الباب على مسافة لا تتجاوز 140 كيلو متراً من خطوط الاشتباك مع الأكراد وقوات النظام.

كل هذه القوى تتكدّس في قطعة جغرافية لا تتجاوز 200 كيلو متر، ما دفع العديد من المراقبين إلى القول أن الصدام بينها قادم لا محالة.

ولعل أبرز ملامح التصادم القادم بين هذه القوى ظهور الصراع التركي الكردي في الآونة الأخيرة على وراثة المناطق التي يخسرها تنظيم داعش بعد الضربات التي تلقاها في مناطق الشمال في منبج والباب وغيرها من مناطق الأطراف.

ويقر الباحث التركي زاهد غل في تصريحات لـ «البيان» بحقيقة الصراع التركي الكردي على المناطق التي يخسرها تنظيم داعش، مشيراً إلى أنّ القوات التركية ملتزمة بقتال الإرهاب في سوريا، وهي لن تسمح بتمدّد قوات كردية في الشمال لما يشكل ذلك من تهديد لأمنها القومي.

استراتيجية منطقة

بدوره، يشير الباحث الأميركي المتخصّص في الشأن السوري جوشوا لانديس لـ«البيان»، إلى أنّ المشهد السوري اليوم يتركز في الشمال السوري فقط، لما لهذه المنطقة من أهمية استراتيجية على المستوى الأميركي والدولي على السواء.

ويضيف لانديس الذي يرأس مركز السلام في جامعة أوكلاهوما، أن السباق اليوم في سوريا من يستطيع أن يقدم نفسه على أنه القوة المنتدبة لقتال تنظيم داعش، ومن هنا يأتي الصراع «الكردي - التركي»، إذ إن الطرفين يقاتلان التنظيم وربما يلتقيان في الرقة.

دعم حتى النهاية

من جهته، يلفت الباحث في مركز التحرير في شؤون الشرق الأوسط بواشنطن حسن حسن لـ«البيان»، إلى أنّ الإدارة الأميركية بدت حاسمة في قناعاتها أن الأكراد هم القوة المرشّحة وتكاد تكون الوحيدة لقتال تنظيم داعش في سوريا، وبالتالي ستذهب الولايات المتحدة إلى دعم الأكراد حتى نهاية المعركة مع داعش.

وأضاف أن طبيعة العلاقات على الساحة السورية تغيرت بعد تولي دونالد ترمب الرئاسة في أميركا، إذ كانت تركيا تعول على التحالف الوثيق مع روسيا وتتجاهل الولايات المتحدة، فيما يعمل الكل في هذه الفترة مع الجانب الأميركي في سوريا، لاسيّما فيما يتعلق بقتال داعش الذي تعتبره إدارة ترامب في قمة الأولويات.

وشدّد على أنّ المفاضلة بين الأكراد والأتراك في سوريا ستزيد من حدة التوتر في سوريا، لاسيّما بعد تصريح وزير الدفاع التركي فكري إشيق بأن بلاده تدرك جيداً بأن حزب الاتحاد الديمقراطي يسعى لتشكيل منطقة خاصة به، ويظهر جرأة في ذلك إلّا أنّ الجيش التركي سينزل الضربة القاضية بهم حين يتجرأون على مثل هذه الأمور.:

فراغ

ويكشف سقوط معاقل تنظيم داعش في شمال سوريا، حجم الفراغ الذي سيكون بعد السيطرة على هذه المناطق، لاسيّما وأن الأكراد وتركيا يعملان في نفس الاستراتيجية قتال داعش والسيطرة على مناطقه، إلا أنّهما مستعدان للاشتباك في أية لحظة، الأمر الذي تخشاه روسيا والولايات المتحدة والذي من شأنه تأخير معركة اجتثاث التنظيم. في الأثناء يرتقب النظام السوري لحظة الاشتباك ليراقب مشهد احتراق القوى اللاعبة على أراضيه.