ترتفع في حقل العمل البحثي المكثف والمكرّس، لتحديد معنى السيادة القومية، حماوة الجدال القائم بين النظرة المتحفظة، والنظرية البنائية. ويلاحظ بوضوح حاسم التغيير الطارئ على مدلول «واقعية» الأمة، من خلال منظور الدراسة التأريخية لأيديولوجية القومية.

وقد خضع مفهوم الأمة لتغيير دراماتيكي، بدءاً من سياسة المحافظة السابقة لشوفينية «الأمة الأولية» ليوهان غوتليب فيشته، ويوهان غوتفرايد هيردر وما يمثلانه في المدرسة القومية الألمانية، وصولاً إلى بنائية «المجتمع المتخيّل» لبنيدكت أندرسون، و«مبدأ التطابق» لإرنست غيلنر، ومعاداة ثونغ تشاي وينيتشاكول القومية العسكرية المرتبطة بمفهوم «الهيئة الجغرافية» المراوغ، وأمة إريك هوبسباوم القائمة على نظرية ماركس و«التدرج إلى الأعلى».

ويقدم بنيدكت أندرسون، أحد المناصرين الطليعيين للنظرة البنائية للقومية، تعريفاً للأمة بأنها فبركة، بمعنى أن الرباط الجامع للشعوب لم يكن له وجود فعلي يسبق الإدراك الذاتي.

ويشير إلى ذلك بالقول: «إنه مجتمع متخيل، ومتصور على أنه محدود بالأصل وذي سيادة». ويعتقد أندرسون أن الأمة متخيلة لأن أبناءها لا يعرفون بعضهم بعضاً، بل يتخيلون الصورة الجماعية، أي أن المجتمع المتخيل قائم على الاعتراف بالقواسم المشتركة لا القواسم بذاتها.

وعرض إرنست غيلنر لمبدأ أن الأمة ليست إلا «مركباً» مبتدعاً اجتماعياً، وكياناً اصطناعي النشوء مرتهن دوام وجوده باستمرارية تخليد مفهوم نخبة الأمة. ويعتقد أن الأمم والقومية لا ينعكسان في الأحداث التاريخية بقدر ما يشكلان مفاهيم مختلقة.

وتنبثق القومية بنظره من فبركة الإدراك وليس بفعل الخصائص المشتركة القائمة مسبقاً، وذلك في تناقض مباشر مع فكرة ما قبل البنائية القائلة بوجود الأمم السابق لظهورها الحسي الملموس. ويفضل غيلنر بوصفه مفكر ما بعد الحداثة، تفسيراً يعتبر نتاج التصميم الذاتي، يتعارض مع مفهوم الهوية الثابتة المعدة سابقاً، غير أن نظرياته لا تتوافق مع الفكر البنائي التقليدي حول القومية.

ويشارك ثونغ تشاي وينيتشاكول فلسفة أندرسون وغيلنر فلسفتهما البنائية، لناحية غياب عنصري الأصلية والوجود المسبق للأمة، إلا أن مساهمة ثونغ تشاي في البيئة الأكاديمية القومية تتمثل في إضافة تفسير لمعنى الأمة من خلال استخدامه تعبير «الهيئة الجغرافية»، حيث يشير إلى أن القومية تتكل على الطبيعة المتناهية للأمة المعينة بفعل حدودها، التي ترسم حدود الهوية القومية.

وإن دراسة السيادة القومية من منظار امتداد الأرض أساسي في تفسير بناء الأمة، من خلال الجغرافيا السياسية، حيث إن مفهوم الأمة لا يمكن فصله عن مفهومي السيادة على الأرض وقيمتها.

ويندرج حديث ثونغ تشاي عن بطلان مفهومي الأمة وأراضيها في إطار تاريخي مناهض للقومية والشوفينية بشكل سافر. ويعتبر مفهومه للأمة أكثر معاداة للابتدائية من البنائية التقليدية، نظراً لإضافة عنصري الأرض والجغرافيا الاصطناعيين غير الواقعيين. أما تعريفه للقومية فخاضع لتأثيرات التاريخ التايلندي مع القومية وتجاربه الشخصية كونه معارضاً متمرداً.

ويعتبر إريك هوبسباوم مناصراً للرؤية الماركسية المناهضة للبدائية المتعلقة بالأمة، وقد كتب يقول: «إن أي جماعة كبيرة بما يكفي لتكوّن شعباً يعتبر أفراده أنهم أبناء أمة، يجب أن يعاملوا على هذا الأساس».

ويعكس هذا رؤية بنائية بالعمق للقومية، ويمهد لفكرة تقول إن الخصائص المتجانسة الموجودة مسبقاً لشعب ما لا تحدد بمطلق الأحوال الأمة، بل إنها تشكل اعترافاً بقيام وشائجها، وأنها فبركة، وكياناً مصطنعاً يمهد لإنشاء أمة.

ويؤمن هوبسباوم بأن الأمم إنما «تقع أساساً عند نقطة التقاء السياسة والتكنولوجيا والتحول الاجتماعي»، ويشير إلى أن فهم الأمة إنما يقتضي تحليلاً من منظور التدرجية من أسفل لأعلى.

ير يحيط بمكونات الأمة وتشكيلها ومعناها في منظومة الدول الأمم الليبرالية.

متخيلة محدودة وسيدة

أثرت المواقف الخارجية للباحثين المهاجرين على أعمالهم، وطبعت المناخات السياسية المؤيدة للقومية والمعادية لها مستوى الضغينة وأضفت عباءة الأسطورة على الأمة والمذهب البدائي المحافظ.

أدخل أندرسون تغييراً على طريقة تقديم الجدل القائم بين البدائية والبنائية، من خلال طرح المتناقضات الثلاثة لتعريف الأمة وتفصيلها بأوصاف المتخيلة والمحدودة والسيدة، فيما قدم غيلنر نوعاً جديداً من النظرية البنائية الداعمة للطبيعة الاصطناعية المتأصلة للأمة ونشوئها بالاعتراف بالقواسم المشتركة، مع التأكيد على شرعية الأمة، وضرورة وجودها في العالم الاقتصادي الحديث.

أما ثونغ تشاي فتوسع في فكرة الاصطناعية كونها أحد مكوّنات الأمة بإسقاط الجانب الأكثر حسية للأمة وحدودها وأراضيها، وتوجيه الجدل بعيداً عن التفسير الأولي المحافظ.

وحاول هوبسباوم إعادة صياغة الممارسات المنهجية لأكاديميي نظرية البنائية بدراسة سيادة الأمة من منظار التدرجية من الأسفل إلى أعلى وإعادة تعريف الأمة كمفهوم يعوزه الاتساق على امتداد الطبقات. وساعد الأكاديميون على توسيع مذهب البنائية من رجعية ليبرالية محجوبة رداً على الشوفينية المعقلنة، إلى امتداد في أفق التفكير يحيط بمكونات الأمة وتشكيلها ومعناها في منظومة ليبرالية الأمم.

شك وآلية

لا يقوض شك غيلنر في واقعية الأمة من شرعيتها أو الحاجة لها بوصفها مركباً، فهو يقر بضرورة القومية كونها آلية تنطوي عليها عملية التحديث. ويعزى مفهومه لمدلول الأمة، بجانب كبير منه، في منظور شبه البنائية، إلى الإطارين التاريخي والاجتماعي اللذين رافقا ولادته

الأمة.. مفهوم رهن التأثيرات

خضع الباحثون الأربعة والمساهمون في المذهب البنائي حول مفهوم الأمة لعدد من العوامل الاجتماعية والسياسية والتأريخية التي تركت أثرها على مساهمات كل منهم في الحقل الأكاديمي. وقد أسفرت هيمنة المدرسة البنائية الحديثة عن انحياز ليبرالي أكاديمي مهم بوجه مفهوم البدائية للأمة وللسيادة القومية.

وشكلت خصوصية دراسة الحالات المستخدمة في ابتكار النظريات القومية عنصر إجحاف أيضاً، نظراً للصعوبة الجوهرية الملازمة لنظرية عالمية تُعنى بتعريف الأمة وتكون مشتقة من حالات خاصة ومتفردة.

جورج أورويل - ناقد وصحافي وروائي بريطاني

القومية مجرد تعطّش إلى السلطة مخفف بخداع الذات.

ساطع الحُصري - مفكر سوري

العناصر الأساسية في تكوين القومية هي وحدة اللغة ووحدة التاريخ، وما ينتج عن ذلك من مشاركة بالمشاعر، وفي الآلام والآمال.

إرنست رينان - مؤرخ وكاتب فرنسي

الأساس في تكوين الأمة هو رغبة ومشيئة الشعوب في العيش المشترك، بجانب التراث والتاريخ.