دفعت الأزمات المتلاحقة لإدارة الرئیس الأمیركي دونالد ترامب، لا سيّما استقالة مستشار الأمن القومي مایكل فلین بعد تسریب نصوص مكالمته مع السفارة الروسیة في واشنطن، إلى طرح مصطلح «الدولة العمیقة» الساعية لإجهاض أي إنجاز أو قرار للرئیس دونالد ترامب.
لم یعرف الأمیركیون مصطلح الدولة العمیقة قبل وصول ترامب إلى سدة الرئاسة، فالمصطلح غريب ولم يوجد يوماً ما في أدبیات السیاسة الغربیة، إذ إنّ أول من طرح هذا المصطلح هم الأتراك حين قصدوا به المؤسسة الأمنیة والعسكریة التي كانت تعمل خلف الكوالیس من أجل الحفاظ على علمانیة الدولة التركیة الأتاتوركیة.
تساؤلات
ولعل هذا يقود إلى تساؤلات حول هذا المصطلح، هل یصح استخدامه في الحالة الأمیركیة الآن، لا سيّما من قبل الرئیس ترامب ومحاولة تشتیت الانتباه عن الفضائح المتلاحقة التي تطارده؟ هل هناك بالفعل دولة عمیقة في الولایات المتحدة كما حذّرت منها مرشحة حزب الخضر في الانتخابات الأخیرة جیل شتاین؟ ووصفت بأن الدولة العمیقة أخطر على الدیمقراطیة الأمیركیة من رئاسة ترامب.
يقول ستیفن هاس الذي عمل مع أربعة رؤساء أمیركیین سابقین: «یجب أن ننظر للموضوع بشكل مختلف، وهو أنه لدینا إدارة تعرضت للكثیر من الفضائح في شهرها الأول، وأن المؤسسة الأمنیة هي الوحیدة التي كانت قادرة على تسریب هذه المعلومات، مسؤولو المؤسسة الأمنیة والعسكریة قلقون جداً لیس خوفاً على وظائفهم، لكن بسبب ترامب، لدیهم كل الحق للقلق منه».
حصان طروادة
ويضيف هاس: «إنّ الحالة الأقرب إلى ما یوصف بالدولة العمیقة، هو فترة رئاسة إدغار هوفر مؤسس مكتب التحقیقات الفیدرالي، الذي بقي في منصبه لأربعین عاماً، استغلها لیكون حصان طروادة في السیاسة الأمیركیة، طالما سیطرت على خیوط المؤسسة الأمنیة هناك دائما إمكانیة استخدامها لمصالح شخصیة»، مشيراً إلى أنّ أياً من الرؤساء الأميركيين الذين تعاقبوا على البيت الأبيض لم يستطع خلال وجود هوفر في رئاسة مكتب التحقیقات على فصله، بسبب امتلاكه للكثیر من المعلومات الأمنیة، ليتم بعد وفاته تحدید مدة خدمة أي مدیر لأي مؤسسة أمنیة بعشر سنوات فقط.
بدوره، يشير الصحافي جون شنیالدر، إلى أنّ التسریبات التي على إثرها استقال مایكل فلین، لم تكن بدوافع أیدیولوجیة أو حزبیة، ویرجح أن تكون لدوافع شخصیة، لأنّ ترامب هاجم المؤسسة الأمنیة ورجالها سابقاً وهي غیر راضیة عن هذا الهجوم الذي یعتبرونه إهانة شخصیة، مضيفاً: «العدید من كبار شخصیات المؤسسة الأمنیة لا یثقون في ترامب».
حساسية
ويوضح شنیالدر أنّ الموضوع الروسي بالنسبة لرجال المؤسسة الأمنیة موضوع حساس الكثیر منهم یعتبرون ترامب بیدقاً في ید الكرملین، وأنها مسألة وقت قبل أن تكشف طبیعة العلاقة بین ترامب وموسكو وتدخل البیت الأبیض في أزمة سیاسیة لا یمكنه الخروج منها.
«ما یحدث الآن أن الرئیس ترامب لا یرید الاستماع للمؤسسة الأمنیة، قافزا للاستنتاج أن هذه المؤسسة تم تسییسها، وأن ما یحصل هو مؤامرة ضدها»، تقول إیمي زیغارت المدیر في المركز الدولي للأمن والتعاون في جامعة ستانفورد.
وتعتبر زیغارت أن ترامب استثنى المؤسسة الأمنیة من دوائر صنع القرار، الدور الذي تعتبره المؤسسة الأمنیة دوراً حساساً للحفاظ على أمن البلاد، وأن هذا الخلاف بین البیت الأبیض والمؤسسة الأمنیة مضر لكلتا المؤسستین والبلاد.
تضليل
الصحافي الأميركي زاك بوشامب يقول، إنّ استخدام مصطلح الدولة العمیقة لوصف الحالة السیاسیة الأمیركیة، محاولة تضلیلیة تسعى إلى تشتیت الانتباه عن ما یحصل داخل الإدارة الحالیة من أزمات.
