تحدى المنظّر الأدبي الأميركي الشهير كينيث بورك عام 1931 الفكرة القائلة، إن الأدب والفن يكتفيان بتأدية غاية الزخرفة، وشرح يقول: «إن جميع أشكال الفن اللفظي، بما في ذلك الأدب والدراما والخطابة وعلم أصول التدريس والتحقيق الصحافي، يترك أثراً في المعرفة الاجتماعية، وصنع القرار السياسي».

وبالنسبة لبورك والملايين، فإن الفن والكتابة والخطابة والمسرح لا تجسّد الإمتاع من أجل الإمتاع، وإنما تمتلك كونها شكلاً من أشكال التعبير، القدرة على إيجاد تغيير اجتماعي وسياسي مهم، في واقع لا يزال بارزاً وملحوظاً إلى يومنا هذا.

في مارس 2015، نشرت الإذاعة المصرية الوطنية العامة في موقعها على الإنترنت مقالة بعنوان «المصريون يحاربون نهج تخويف داعش بالنكات وباروديا الأدب التهكمي»، حيث شرحت الكاتبة ليلى فاضل أن بعض الأفراد والمنظمات يستغلون الكوميديا كونها أداة تخريب، وكونها وسيلة تعطيل الحركات الإرهابية.

ويؤدي الضحك، وإضحاك الآخرين خدمة لمناهضة تنظيم داعش المتطرف العنيف الشهير باستعمال أسلحة من نوع فيديوهات العنف الوحشي عالية الجودة.

وتبني بورك النموذج الدرامي للنقد بالتركيز على «خصائص الدراما المعتمدة منذ زمن طويل وغير الخاضعة لتطوير كاف يؤهلها لتكون صيغة نقدية بذاتها».

ويقع في صلب الفعل الدرامي ما يطلق عليه بورك تسمية الدافع أو المسبب، الذي يدفع الناس للقيام بما يقومون به، ويعتبر أن جميع أنواع الدراما إنما تقوم على دوافع البشر، من خلال التوجه للجمهور والطلب منه «مراقبة السلوك البشري والحكم عليه».

ونعوّل في ما يلي على مبادئ بورك في الإسقاط الدرامي لشرح القوة الرمزية للأعمال ذات التوجه الكوميدي المناهض للإرهاب. فالحياة بالنسبة لبورك ليست إلا دراما وما «أفعال الناس إلا بيانات رمزية قائمة بذاتها».

ويشير الممثل الكوميدي الأميركي من أصل عربي دين عبيدالله إلى الكمّ الكبير من الناس، الذين يعتبرون الأدب الساخر عملاً شجاعاً لأن الذين يتهكمون عليهم عبارة عن تنظيم متغلغل في بعض الأحيان، ويمعنون مع ذلك بنعتهم بأوصاف مستفزة. إنها إحدى طرق التعامل مع الوضع حين يكون مروعاً لهذا الحدّ، وأحياناً ما تكون الكوميديا السبيل الوحيد لمعالجة الوضع القائم.

حين يستخدم الناس الكلمات، فهم يقدمون تصريحات رمزية، وإن الفنون اللفظية كتلك المتمحورة حول الفكاهة تملك تأثيراً هائلاً على المعرفة المجتمعية وصنع القرار السياسي والعمل الجماعي. ويوظف فن الخطابة، كما يشير بورك «الأشكال الدرامية البدائية التي تسمح للناس برؤية أكثر مما تتيح لهم أبصارهم».

يمكن للسخرية في نظر بعضهم أن تحدث تغييراً في كيفية ردّ الناس عاطفياً وسياسياً واجتماعياً على جماعات مثل «داعش» باعتبار أنه يمكن للفكاهة أن تنجح في تحوير ما يمكن أن يعنيه بأن يكون المرء داعماً أو عضواً في مثل ذاك التنظيم.

وبالنسبة لبعضهم الآخر، فتعتبر الدعابات المناهضة للإرهاب أقوى تأثيراً، لدرجة تشبيهها «برجم الوحوش بالحجارة»، حيث تسأل فاضل «ماذا بعد» أن استفزَّت الوحش؟ وتخدم الخطابات غايات مهمة وواقعية، من خلال ما يصفه بورك بـ«الدفاع الفكري ضد الجهل، والدفاع العاطفي بوجه النفور والدفاع النفسي إزاء الشوائب».

وتشكل من هذا المنطلق، مختلف أشكال الخطابة كالأدب أو الدعابة، ما يصنفه بورك بأدوات العيش. ومن المحتم أن تتم معاينة الأعمال، التي تقوم بها تلك الأدوات بانتظام، والاحتفاء بمفهوم استبدالها بالمعدات المناسبة حسب الظروف المتبدلة، إذ إنه بغياب التدخل أو الانعكاس، نسير على غير هدى.

ويذكرنا بورك أن نطاق الخطابة رحب وسيع، حيث الحياة كلها دراما، وحيث فن الخطابة يعد بالتجاوز. لا بد من الاعتراف بماهية تواصلنا لناحية أهمية الأعمال النقدية التي يمكن أن يقدمها، لا سيما حين تأتي على شكل دعابة وفي مضامين خطرة كالإرهاب.

2005

تتطرق فاين لمثالين عن الأعمال الفنية المناهضة للإرهاب بوصفهما تصريحات رمزية، فتناقش عمل سليمان البخيت، المؤلف ونجل رئيس الوزراء الأردني الأسبق معروف البخيت. وتستعرض حفل زفاف الطبيبين أحمد شحاتة وشيماء ضيف المقيمين في مصر.

وتركز على ثلاث من الفرضيات الست، التي يقوم عليها نظام بورك النقدي: الأولى، اتساع نطاق فن الخطابة، الثانية، الحياة كلها دراما، والخامسة، فن الخطابة يعد بالتجاوز. وتلخص كيفية استغلال الخطاب من خلال الأعمال الكوميدية على نحو يصفه بورك بـ«أدوات العيش».

ويجسّد البخيت من خلال مؤلفاته الكوميدية قوة رمزية لا سيما لناحية صدور أعماله بصورة تزيد على مليون طبعة عام 2005.

وتدور فكرة زفاف شحاتة حول تحدي «داعش»، من خلال تحوير خوف الناس من التنظيم إلى موضع فكاهة. وعليه، يدخل العريس وأصحابه أثناء الزفة مقنعين حاملين للسكاكين، على وقع نشيد التنظيم، فيدخلون قفصاً يتوسط القاعة، ويحجز بداخله العروسين، حيث تتحول الأناشيد إلى أغنيات شعبية، يتراقصان على ألحانها. وجسّدت دراما الضرورة إعادة تأطير للتنظيم يتجاوز الوضع القائم.

نمطية

أدرك سليمان البخيت من معاينته الميدانية للأحياء الفقيرة، واختباره تأثير أيديولوجية التطرف مدى تغلغل الخطاب الإرهابي، فعمد إلى تأليف سلسلة من الكتب الكوميدية المتعلقة بأبطال عسكريين معاصرين «يسهل تقبّلهم». وجاء ذلك لقلب مفهوم النمطية ومحاربة الإرهاب في الشرق الأوسط عبر الفن لا السلاح والحرب.

موليير

يقع على عاتق الكوميديا إصلاح الناس عبر تسليتهم.

ونستون تشرشل

الدعابة شيء بغاية الخطورة. أسوأ ما في الأكاذيب التي تجوب العالم أن نصفها صحيح.

هيرودوتس

إصرار المرء على اعتناق الجدية قد يصيبه بالجنون أو الاضطراب من حيث لا يدري.