ارتسمت ملامح أزمة اللاجئين الحالية في إطار أزمة الهوية والأمن والاقتصاد في أوروبا، غير أن المفاهيم المحددة للهوية القومية والأوروبية، والاعتقاد بأن اللاجئين يهددون أمن ورفاه الأوروبيين، يعزز بالعمق أشكال العنف الإقصائي المتبدّي في سياسة الهجرة للاتحاد الأوروبي.
وتسود، على الرغم من الوضوح، حالة من التجاهل في غالبية وسائل الإعلام الأوروبية لأزمة اللاجئين، وتوصف بأنها أزمة تقتصر على اللاجئين أنفسهم، وتشكل المحصّلة النهائية لتناقضات تعتري سياسة الهجرة للاتحاد الأوروبي، المتجلية بأبرز صورها في لعبة تقاذف الملامة ومسرحيات استعراض السلطة بين الدول الأعضاء، فيما يتعلق بإدارة أوضاع اللاجئين وسط خطابات الاتحاد الأوروبي الرنانة.
وتتركز حدّة الأزمة الإنسانية على الحدود اليونانية تحديداً منذ تحولها لنقطة الدخول الأساسية إلى أوروبا في خضم أزمة ديون متعاظمة، وتفوقها على إيطاليا بوصفها الدولة الأوروبية الأولى في استقبال المهاجرين واللاجئين الوافدين بحراً.
وقد عزت كل من المفوضية العليا للاجئين والمنظمات الحكومية وغير الحكومية المحلية والعالمية، وغيرها من المؤسسات، إخفاقات الأزمة الإنسانية في اليونان لبيروقراطية اللجوء، وتوزيع واستنزاف أموال الاتحاد بشكل غير فعّال، ونقص الموارد وعدم كفاءة موظفي الحرس الحدودي وخدمات اللجوء.
لكن فيما يلي عرض يبين كيف أن تعبير الفساد لا يعبّر تماماً عن شرح سوء إدارة اليونان لأزمة اللاجئين وأن يتم انتسابها لعدم الكفاية المترسخة في الدولة اليونانية. في حين أنه، وعلى النسق الجينيالوجي، يعزز موقع اليونان التاريخي وعلاقتها بأوروبا السياسات والتكتيكات المتناقضة المولّدة لأزمة اللاجئين.
والجينيالوجي Genealogy هي أحد أقدم العلوم المعروفة فى التاريخ الإنساني، فهى باختصار شديد ليست سوى "علم الأنساب»، و المصطلح مأخوذ من الكلمة اليونانية القديمة genea التي تعني بالانجليزية generation (أى أنه علم الأجيال،أي علم الأنساب).
وقد استخدم كل من نيتشه وفوكو النهج الجينيالوجي كوسيلة تعطيل روايات الاستمرارية المرتبطة بفرضيتهما حول الهويات الثابتة والحقائق المطلقة السابقة لكل الأحداث التاريخية.
وتناقش هيلين انطلاقاً من النهج الجينيالوجي مختلف الطرق التي لعبت اليونان من خلالها دوراً ثنائياً كحارسة لأوروبا ومنبوذتها، وتصف كيفية تجلي تناقضات اليوم المنبثقة من هذه العلاقة في أزمة اللاجئين.
وقد تآزر وسم اليونان وصورتها الذاتية على أنها دولة منبوذة، مع كشف نفاق خطاب الاتحاد الأوروبي المتعلق بالحقوق، على ولادة موجة قومية من العنف المنصب على اللاجئين.
ورسمت المصالح الجيوسياسية والاقتصادية ملامح الحدود القومية، بما يستحضر إشارة المستشرق إدوارد سعيد إلى أن الكيانات الأسطورية كأوروبا والغرب والشرق ليست إلا «مركبات إيديولوجية تحددت مضامينها وحدودها بفعل القوميات ومصالح الدول المتضاربة».
أما المسألة الشرقية، سيما فيما يتعلق بالحفاظ على توازن القوى الأوروبية المتنافسة في حال سقوط الإمبراطورية العثمانية، فقد أوجدت سلسلة من التدخلات الرامية لحصد المكاسب الاقتصادية. وأصبحت اليونان مذّاك ذات أهمية استراتيجية للعمق الأوروبي، بما أوجب سقوط أجزاء من التاريخ تمهيداً لإنشاء الهوية اليونانية الحديثة.
ويؤكد البروفيسور ستاثيس غورغوريس أن الدولة اليونانية كانت «خاضعة للمراقبة»، بناءً على افتراض حركة محبي الإغريق المسبق بقيام يونان جديدة تكون حارسة «أصول» الحضارة الأوروبية وخاضعة لمصالحها. أي أن «(الفلهيلينية) تعاملت مع أصل اليونان الحديثة كعاصمة رمزية واستثمار سياسي معاصر».
1821
لم يكن هناك قبل أوساط الثمانينيات معنى محدد الوضوح لمعنى إغريقي، فأتباع الدولة العثمانية آنذاك الناطقين باليونانية نسبوا هويتهم للديانة المسيحية لا للهوية القومية، التي اشترط انبثاقها تأسيس كيان «الآخر»، في عملية تطلبت نوعاً من التلاعب وإعادة كتابة التاريخ.
فبالإضافة إلى موقع اليونان الجغرافي الاستراتيجي، كان التقليد المعرفي القديم يرادف العمق الأوروبي. وأسفر ذلك عن ولادة نموذجين متنافسين: الإغريقي القديم، وهو النموذج القائل بمشرقية اليونان، والنمط الأرياني المصنف لليونان بوصفها أوروبية أو آرية بحتة، ومهندسوه من أتباع الحركة النيوكلاسيكية للقرن الثامن عشر.
ويشير بيتر بارك إلى إمعان فلاسفة من أمثال هيغل وكانط في تكريس هذا الاستعمار الإدراكي والثقافي من خلال ابتداع فكرة «أوروبا» ورسم خط متصل يربط اليونان القديمة بأوروبا الحديثة.
وحرض على الحركة القومية اليونانية المعروفة بالـ«فلهيلينية»، الإنتلجتسيا الأوروبية والإغريقية كما الكهنة المسيحيون، فأتى الإعلان عن الحرب اليونانية للاستقلال على الإمبراطورية العثمانية عام 1821 مثالاً صارخاً على الهيمنة الاستعمارية الشرقية.

مشاريع
لا بد للدول الغنية من أن تمول مخيمات اللاجئين في الدول الأقل ثراء حتى يستطيعوا تحمل شظف العيش، أو تتيح لهم العودة إلى بلادهم الأصلية وتمول مشاريع تساعدهم على تحسين أوضاعهم المعيشية هناك، وهذا ما يأمله خبراء اختصاصيون في سبل تحسين معيشية اللاجئين.

بين جينيالوجية نيتشه وفوكو
تسعى جينيالوجية نيتشه، أو الجينيالوجية التأريخية المناقضة للماورائيات إلى كشف زيف التفسيرات الماهوية للحاضر عن طريق الشرح بأن «البداية التاريخية للأشياء ليست الهوية المصانة لأصلها، بل هي تناقض الأشياء الأخرى»، فالجينيالوجيا «تهشّم ما كان يعتقد أنه موحّد، وتظهر تفاوت ما كان يخيّل أنه ذاتي التناسق». وتعكس بذلك السرديات التاريخية المندثرة التي تنذر بالتوترات الحاضرة.
ويعكس النسق الجينيالوجي لفوكو منهجية الشك والنقد، في سلسلةٍ من الإجراءات التنفيرية وإعادة وضع المفاهيم اللصيقة ليس بأي موضوع متعلق بمعرفة علم الإنسان، بل بكل نهج ذات علاقة بالنتاج المعرفي للعلوم الإنسانية. والجينيالوجي بنظر فوكو هو المفسر وليس «الهرمنيوطيقي» المشتغل بالتأويل، أي المدرك بأن المعنى الذي يعطيه للتاريخ رمادي قابل للشك.

حنا أرندت - فيلسوفة ألمانية
لقد أدرك ممثلو الدول العظمى تماماً أن الأقليات في الدول الأمم سيبتلعون أو يعصرون عاجلاً أم آجلاً.

ليزلي غرين - أستاذة فلسفة القانون في جامعة أكسفورد
ترمي كل تلك الاعتراضات على إتمام واجبات المرء الأخلاقية كعبء مذموم لا يمكن تحمله إلا إذا تمت مشاركته وفق معايير مقارنة.

أوليفيا غولدهيل - صحافية أميركية
لا يفاجئنك تذبذب قرار الساسة بشأن مساعدة اللاجئين، وسط أزمة أوروبا المتنامية، فحتى الفلاسفة عاجزون عن الإجماع على ردّ أخلاقي.

