متى لا يكون الخبر الكاذب كاذباً؟ في حين أن الذين يختلقون الخبر ويستهلكونه يمكن أن ينسوا أن الأخبار مجرّد سلعة يقف وراءها نموذج أعمال مدعّم بالإعلان.
وفي حين أن المادة الخبرية ذات المضمون الدقيق الاستقصائي الحساس من النوع المضيء على الحقائق الموضوعية، المحفزة للنقاش العام الجدي أمر مرتفع الكلفة إبداعياً، فإن الكلام الهراء زهيد الثمن. ولم يبدأ الناس من هذا المنطلق بضخ التلفيقات من مبدأ التخلي عن الأخلاقيات الصحافية، بقدر ما كان ذلك نابعاً من الثمن الباهظ لتلك المبادئ، وتعسّر بيعها المرافق لشروط قاسية.
الأخبار الملفقة بيّاعة لأنها تندرج في منظومة ما يريد الناس تصديقه على أنه الحقيقة، والأخبار الكاذبة تستقطب متابعة عبر الشبكة العنكبوتية من أشخاص يضغطون على الخبر الذي يريدون تصديقه، بما يفضي إلى تحقيق أرباح دعايات عنكبوتية هي كل ما يدعم حالياً صناعة الإعلام في الأزمة الراهنة.
وتتمحور الصحافة حول استشراف نماذج تمويل جديدة تقوم مقام الدعامات على منحدر شاهق، وهو ما يكشف الكثير حيال الموقف الذي نجد أنفسنا فيه كمواطنين عالقين في جوّ عام سامّ.
لكن ما علاقة كل ذلك بالرئيس الأميركي دونالد ترامب أو نظيره الروسي فلاديمير بوتين؟ العلاقة وثيقة في الواقع، حيث الانتشار الإدماني لأخبار ملفقة يصعب التخلص منها، قد رسّخ الأجواء لردود الأفعال الغاضبة الخالية من الحقيقة. تتكبّد وسائل الإعلام ملايين الدولارات في التغطية المجانية لترامب دون أن يتكبّد عناء إرسال بيان صحفي واحد.
كيف لا ونجم تلفزيون الواقع يشكل النسخة الجيّدة من أرباب الأصابع الصغيرة الذين تتكاثر حولهم الأقاويل، والحكايات التي تكتب نفسها بنفسها. أما القصة الأبرز اليوم فتدور حول تهديد مستقبل الصحافة على يد القادم الجديد إلى المكتب البيضاوي.
وقد تميّز المؤتمر الصحافي الأخير لترامب بالاستثنائي بكل المقاييس، وهو الأول له في غضون ستة أشهر، حيث أطل في 11 يناير الماضي من برجه في نيويورك رافضاً الردّ على أي من الأسئلة المتعلقة بالمزاعم غير المثبتة حيال «ترويض» روسيا له. وقد بدا فاقداً أعصابه في ردّه الغاضب على رجال الصحافة والإعلام.
ولم يقصد ترامب أن المراسلين الصحافيين كانوا يكذبون، لكن بعضهم اعتبر موقفه حيال الإعلام مقتبساً من كتاب ممارسة قواعد اللعبة السياسية في الكرملين. إذ إنه إضافة إلى رفض الاتهامات الفردية، حاول ترامب تجريد الصحافة من مفهوم المصداقية. وفي حين أن الصحافة الحرة هي ميزان السلطة، فإن ترامب يحبّذ أن تبقى سلطته بلا رقيب أو حسيب يضعها في الميزان.
وأشار بيتر بومارانتسيف متحدثاً عن الاستراتيجية الدعائية لبوتين في مقال له في صحيفة «غارديان» بالقول: إن «تلك المساعي تضمّ نوعاً من التخريب اللغوي لأسس المنطق، بمعنى أنه إذا ما أحيطت أي بادرة للجدال العقلاني عبر غمامة من الشك، لا يعود هناك أي أرضية للجدال، ويتوقع عندئذ من الرأي العام أن يقرر عدم جدوى محاولات اتخاذ قرار بشأن الجهة الرابحة، أو حتى تكلّف عناء الإصغاء».
إذا فقد الناس ثقتهم بقدرة الإعلام على إظهار الحقائق، ينزعون للاتكال على «حدسهم» لتحديد الحقيقة، وعليه فإن عصا التأثير تبقى في يد كل من يستطيع البناء على تلك المشاعر والتنفع منها. وهذا ما يدركه ترامب وفريقه حق الإدراك، حيث إن الرجل لا يخبر الأمور كما هي، بل كما يجب أن يتم الشعور بها، في خطوة يتفوق تأثيرها بأشواط عدة.
2005
الأخبار الملفقة أو «الهراء» على حدّ تعبير الفيلسوف الأميركي هاري فرانكفورت في مقال كتبه عام 2005، لم يتم تجنيدها على هذا النطاق من قبل، إلا أن الهراء بذاته ليس بالأمر الجديد.
وقد توقع الروائي والصحافي والناقد الإنجليزي جورج أورويل، ولادة هذا التيار منذ ثلاثينيات القرن الماضي في قراءة للحرب الأهلية الإسبانية، حيث قال: «يعتبر مفهوم الحقيقة الموضوعية في طور الاختفاء عن الوجود، حيث ستتسرّب الأكاذيب إلى التاريخ، وقد قرأت للمرة الأولى تقارير صحفية لا تمتّ للحقيقة بصلة، ولا من خلال رابط المستتر في كذبةٍ عادية.
فيما مضى كان الناس يتعمدون التفوه بالأكاذيب، أو يلونون على نحو غير واعٍ الحقيقة في كتاباتهم، أو يناضلون في سبيل الكشف عن الحقيقة، مدركين تمام الإدراك أنه لا بدّ من الوقوع في الأخطاء، لكنهم كانوا يؤمنون بجميع الأحوال أن "الحقائق" موجودة، وأنها قابلة للاكتشاف على نحو متفاوت.

جورج أورويل - روائي وصحافي وناقد إنجليزي
«إن كان للحرية أي معنى بالمطلق، فلا بد أن يكون مرادفاً للحق بأن تخبر الناس ما لا يودون سماعه».

بين مفهومين
تكمن خطورة الهراء الحقيقية في نسبية قابلية كشف الحقائق، التي لا يضاعفها إلا الافتراض المتلكىء لحسن النوايا من جانب الذين يؤمنون بالمبدأ الصحفي. إذ يستحيل في النهاية إثبات نوايا المرء بالخداع، أو انخداعه بالحقيقة. ويمكن لترامب أن يصدّق أيّ «حقائق» تتفق مع آرائه الملائمة للحالة الراهنة. وأي فيديو يثبت استهزائه بصحافيّ معوّق، قد يصدقه إن كان يصرّ على العكس. فهل هذه كذبة؟ بالطبع هي كذلك.
الناس الذين لا يقيمون وزناً لمفهوم الحقيقة قادرون على الكذب. ويستطيعون كذلك التفوه بالهراء من النوع الذي يلوّن فكرة الحقيقة الموضوعية بوصفها غير ذي صلة. أما الردّ الوحيد الممكن فيبقى في الإصرار لحدّ التشبث حقيقة أنه لا يزال للحقيقة معنى.

بيتر بومارانتسيف - كاتب وصحافي بريطاني من أصل روسي
كيف تبنون تاريخًا قائمًا على نحر الذات والخيانة من دون توقف؟

لوري بيني - صحافية وكاتبة إنجليزية
لا يقتصر الهراء على النطق بمجموعة أكاذيب، فهو لغة الأعمال، ويتجه ليصبح لغة السياسة، مع معرفة الكل بقواعد اللعبة.

هاري فرانكفورت - فيلسوف أميركي
«الناطق بالهراء لا يتنكر لسلطة الحقيقة كما يفعل الكذّاب، وعليه، فإن الهراء عدو ألدّ للحقيقة من الأكاذيب نفسها»

