أبرز ملامحها التخلي عن تسوية الأزمة السورية ومنع بروز تكتلات مناهضة للأكراد والحكومة العراقية

أميركا تخطط لاستراتيجية واقعية لهزيمة «داعش»

صورة

أصبحت سوريا التي تعد من البلدان الأقل أهمية من الناحية الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، رمزاً لعدم الحسم والتراجع الأميركي، في الوقت الذي تم تجاهل واقع أن الإدارة الأميركية الجديدة أصبحت لاعباً رئيساً في إعادة بناء القوة العسكرية للعراق، وفي قتاله ضد «داعش» على نطاق واسع.

خيارات

وفي سوريا، يبدو أنه لم يتبق هناك خيار يتيح لأي جهد إضافي دبلوماسي وعسكري أميركي ذي مصداقية أن يصحح الأوضاع هناك. وكلما حاولت الولايات المتحدة التدخل عند هذا المنعطف، يزداد احتمال اعتبارها أنها ستمضي قدماً نحو الفشل الذريع.

وينبغي لأية مقاربة «واقعية» للاستراتيجية الأميركية في سوريا أن تشمل تقليصاً للدور الأميركي في محاولة لحل الخلافات الداخلية، والتركيز على مواجهة التأثيرات المجتمعة لحلفاء الأسد وتركيا.

وأفضل طريقة لتشكيل «اللعبة الكبرى» في سوريا هي أن تصبح الولايات المتحدة مراقباً لتلك اللعبة قدر المستطاع.

ويجب أن تمضي قدماً في محاولة إلحاق الهزيمة بـ"داعش"، وإنهاء سيطرة التنظيم على السكان المحليين، وتأمين الحدود الغربية للعراق، لكن سيكون عليها أيضاً ترك الحرب الأهلية الأوسع نطاقاً في سوريا تفعل فعلها حتى النهاية بطرق تجعل من الواضح للجميع أنه لا يوجد حل لمشكلات البلاد الأمنية أو كيفية تأمين الاستقرار السياسي والاقتصادي.

من منظور واقعي، يجب على الولايات المتحدة أن تنتظر حتى يتضح على الأقل بالنسبة للفصائل الرئيسة المتناحرة والقوى الخارجية المتبقية أن النتيجة العملية الوحيدة عبارة عن إنهاك واستنزاف أو صراعات مستمرة و/‏أو عدم استقرار. ويجب أن تركز الولايات المتحدة على إعادة بناء الثقة بشراكاتها الاستراتيجية مع الدول المعنية، وهزيمة أو احتواء تهديدات التشدد، وبناء عراق مستقر وآمن.

الحجج المساقة ضد هذه الاستراتيجية الواقعية ذات شقين: الشق الأول يتمثل بالحجم الهائل للمأساة الإنسانية في سوريا، وتكلفة السماح للصراعات والتوترات الجارية أن تفعل فعلها إلى النهاية.

الثاني هو الغموض بشأن ما إذا كانت الصراعات في سوريا يمكن احتواؤها، وعما إذا كانت ستحقق في أي وقت من الأوقات نوعاً من سلام الإنهاك والاستنزاف، الذي يمكن للمنطقة والعالم التعايش معه.

فشل

سوريا اليوم في حالة من الفوضى من دون خيارات واضحة للأمن والاستقرار. ولا تظهر الدبلوماسية أي علامات حقيقية بشأن التوصل إلى وقف لإطلاق نار دائم، ناهيك عن أي شيء يقترب من حل سياسي واقتصادي قابل للحياة.

وتواجه سوريا أيضاً مشكلات أمنية صعبة للغاية، والتركيز الضيق على اتفاقات وقف إطلاق النار هو وصفة للفشل، فهناك تقزيم لعدد الفصائل المتورطة في غرب سوريا وشرقها، إضافة إلى الخلافات بين العرب والأكراد. أما حركات المعارضة من العرب فهي منقسمة على نفسها بصورة عميقة، وبها عناصر متشددة بأعداد كبيرة.

وفي الوقت نفسه، فإن المقاتلين الأكراد السوريين المدعومين من أميركا يسعون لتحقيق أهدافهم، ولديهم روابط مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، والأكراد في العراق، الأمر الذي أدى إلى تعقيد التنسيق الأميركي مع تركيا وحكومة أردوغان، التي ترى في وحدات حماية الشعب الكردي المدعومة أميركيا تهديداً لتركيا.

العراق بدوره لديه حدوده المفتوحة ومشكلاته الكردية وانقساماته الطائفية العميقة. وأخيراً وليس آخراً، لم تبرز قوة معارضة من العرب السنة قوية بما فيه الكفاية، لتحقيق أي وحدة أو استقرار لقوات المعارضة من العرب في شرق سوريا، ناهيك عن توفير خطة متماسكة لتحقيق الاستقرار.

الحالة الأسوأ، والتي لديها أهمية استراتيجية أكبر من سوريا بالنسبة للولايات المتحدة، هي تركيا. وقد كان للولايات المتحدة نفوذ محدود على أي من أولئك اللاعبين السوريين والأجانب.

وقد فشلت الدبلوماسية الأميركية في التعامل مع سوريا إلى درجة أن أميركا أصبحت مراقباً أكثر منها لاعباً، ومحاولاتها تشكيل قوات معارضة عربية معتدلة كانت ناجحة فقط في إيجاد قوات كردية- سورية قد تكون مفيدة في قتال داعش، لكنها تسهم في الوقت نفسه في تقسيم البلاد.

والأمل ضعيف أن تتمكن أميركا من التفاوض على شكل من أشكال توحيد قوى المعارضة، أو أن تكون متيقنة من إمكانية تفادي اشتباكات مستقبلية بين المقاتلين الأكراد السوريين والأتراك.

توصل

ويبقى من غير الواضح أي من القوى الخارجية الأخرى يمكنها التوصل إلى وقف لإطلاق نار مستقر ومقبول من جميع اللاعبين الرئيسين، وما إذا كانت قوى رئيسة مثل روسيا وحلفاؤها تريد وقفاً جدياً للقتال، أو إمكانية تحقيق ذلك، الى أن يتمكن نظام الأسد على الأقل من تعزيز سيطرته على معظم المناطق المأهولة غرب سوريا.

وأخذاً في الاعتبار أين تقف الأحداث حالياً، فإنه كلما فكت الولايات المتحدة ارتباطها مع سوريا، وتركت غيرها من القوى تتحمل اللوم، وعززت أوضاع شركائها وحلفائها لاحتواء البلاد، وركزت على التهديدات الرئيسة، فإنها تخدم مصالحها بشكل أفضل إلى أن يصل الوضع في سوريا إلى النقطة التي يمكن للولايات المتحدة تحقيق حقائق حاسمة باحتمالية عالية، وبأقل تكلفة ممكنة.

استثناء

وهذا الأمر صحيح مع استثناء هام، وهو حاجة الولايات المتحدة إلى هزيمة «داعش» مادياً، وضمان ألا يتمكن أي مزيج من المتشددين أن يحل محله، ويتحدى بنجاح دولاً مجاورة، أو يصدّر الإرهاب.

ويجب أن تكون للولايات المتحدة استراتيجية لكل من شرق سوريا، والمنطقة الحدودية مع العراق والأردن، استراتيجية تضمن هزيمة داعش في سوريا والعراق، وألا يفضي تحرير شرق سوريا وغرب العراق إلى تشكل تكتل من السنة العرب معادياً للأكراد السوريين والعراقيين، والحكومة المركزية العراقية.

وبقدر ما هي التقديرات الهائلة المتعلقة بكلفة إعادة الأعمار، فإنها تشكل أيضاً استنزافاً محتملاً هائلاً للمساعدات الدولية من جانب دولة أهميتها الاستراتيجية محدودة بالنسبة للولايات المتحدة.

شروط التطبيق

يؤكد الخبيران انتوني كورسمان وآرام نيرغويزيان أن تطبيقها يجب أن يكون مشروطاً، بسبب الغموض الذي يحيط بمستقبل الصراع. وأهم ما يدعو إليه أميركا:

الانفصال عن الجهود المباشرة للتوصل الى وقف اطلاق النار، او تسوية سلمية، إلا في ظل احتمال حقيقي لتسوية وسلام دائميين، واحتواء الأزمة من خلال الاستمرار في إرسال المساعدات إلى العراق.

إعطاء الأكراد السوريين الموارد لإلحاق الهزيمة بداعش في سوريا، وتامين مناطقهم، لكن الحد من الدور الأميركي العسكري في سوريا واستكمال تدمير داعش، وتامين الحدود السورية مع العراق والأردن.

التركيز على اعادة بناء الثقة مع شركاء أمنيين رئيسيين.

حد المساعدات الأميركية إلى سوريا على المساعدات الإنسانية التي تمر عبر الأمم المتحدة، والمساعدة في تطوير خيار موازي لخطة مارشال معاصرة ودولية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات