قوة الدستور تجمّد تنفيذ قرار ترامب

صورة

القرار التنفيذي للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يحظر على مواطني سبع دول دخول الولايات المتحدة الأميركية استدعى مواجهة دستورية ربما تترك علامة على الأجيال القادمة، وعلى الأغلب فإن القضية في طريقها إلى المحكمة الدستورية العليا.

قرار المحكمة الفيدرالية بمدينة سياتل الأسبوع الماضي، بوقف العمل بالقرار التنفيذي لترامب، يطرح سؤالين مهمين هما: ما هي القوة الدستورية التي يملكها الرئيس الأميركي فيما يخص الهجرة؟ وما هو مقدار القوة التي يمنحها الكونغرس للرئيس؟

وفي إجابة سريعة على هذين السؤالين، الدستور والكونغرس يمنحان الرئيس الكثير، ولكن يمكن للهيئات الدستورية الأخرى أن تعرقل وأن توقف هذه السلطة، ومن بينها التعديل الأول في الدستور الأميركي الذي يقول «لا للتمييز بين المواطنين الأميركيين على أساس الدين».

ماذا قال القاضي؟

العديد من القضاة في الولايات المتحدة أوقفوا العمل ببعض بنود القرار التنفيذي. ولكنهم لم يوقفوا العمل بالقرار كلياً كما فعل القاضي الفيدرالي في مدينة سياتل جيمس روبرت، والذي أجبر وزارة الخارجية على إعادة العمل بالتأشيرات التي تم إلغاؤها بناءً على القرار.

القضية الآن أمام محكمة الاستئناف عن الدائرة التاسعة بمدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. المحكمة رفضت إعطاء قرار نهائي يوم السبت، مطالبة بالمزيد من التوضيحات من أطراف القضية والتي استمعت إليها بالأمس، وبعد إصدار الحكم يرى خبراء قانونيون أن القضية متجهة نحو المحكمة الدستورية العليا.

في معطيات قراره لم يقدم القاضي روبرت توضيحاً قانونياً شافياً، على النقيض من القاضي الفيدرالي عن مدينة بوسطن ناثانيل جورتون الذي قدم ورقة من 21 صفحة لتوضيح موقفه القانوني من القرار الأخير للرئيس ترامب وإعادة العمل به.

وقال القاضي غورتون في قراره إن «تاريخ الولايات المتحدة الحافل بالمهاجرين كانوا نقطة قوة أميركا، ولكن الأمن العام والمخاطر التي تهدّدنا هي أيضاً تهديدات حقيقية».

صلاحيات

الفقرة الثانية من الدستور الأميركي المتعلقة بالقوة الدستورية للرئيس، وحسب المحكمة الدستورية، تمنح الرئيس القوة المطلوبة في العلاقات الخارجية والهجرة. وفي إطار دفاعها عن قراره بوقف العمل بالقرار التنفيذي، قدم القاضي روبرت إضافة إلى ولاية مينيسوتا ممثلة بالمدعي العام للولاية، وقال إن هناك حدوداً لصلاحيات الرئيس.

وجاء في ورقة الدفاع «بينما تمنح المحاكم مدى واسعاً من الصلاحيات للسلطة السياسية، ممثلة في شخص الرئيس والإدارة فيما يخص الهجرة، هذا لا يعني أن هذه الإدارة تملك الحصانة والإفلات من المحاكمة. المحكمة الدستورية لديها دور مقدس في حماية الأقليات ضد قرارات متسرعة وفيها طابع عنصري».

وفي رد الحكومة الفيدرالية على ما قدمه القاضي روبرت، أوضحت أن القضاة ليس لديهم الجاهزية الكافية لمناقشة مواضيع تهم الأمن القومي للبلاد كما هو الحال بالنسبة للرئيس.

وأضافت الإدارة في الرد أن «المحاكم والقضاة ليس لديهم منفذ أو اطلاع على المعلومات السرية حول التهديدات التي تمثلها المنظمات الإرهابية في دول معينة، ومحاولاتهم الوصول إلى الولايات المتحدة، ولا يوجد لديهم أدنى فكرة كيف تم استبعاد بعضهم من خلال العمل الأمني».

كاتب العدل عن ولاية واشنطن نواه بورسيل، قال إن الرئيس الأميركي حين اتخذ القرار كان مطلوباً منه اتخاذ خطوات احترازية وهذا موقف اعتبره البعض انسحاباً تكتيكياً من قبل بورسيل. ولكنه أضاف إنه يطالب المحكمة بحماية حياة الناس التي تغيرت منذ إصدار ترامب لقراره.

قوة الكونغرس

في دفاعها عن قرار الرئيس التنفيذي في قاعة المحكمة أشارت المحامية الموكلة من وزارة العدل الأميركية ميشيل بانيت، إلى قضية رفعت ضد الرئيس الأسبق هاري ترومان في العام 1952 من القرن الماضي، وخسر ترومان القضية.

ولكن بحسب بانيت فإن أهم ما جاء في قرار القاضي في حينها هو وضعه إطار العمل بين السلطات التشريعية والرئاسية. وقال القاضي إن الرئيس لديه سلطة كبيرة حين يعمل بتكليف تشريعي، ما يعطي قراراته الشرعية المطلوبة، ويكون الرئيس ضعيفاً عندما يعمل منفرداً.

في حالة الرئيس ترامب، حسب قولها، فإنه يعمل بدعم من السلطة التشريعية، ما يعطيه صلاحيات أكبر وأقوى. لربما نسيت المحامية أن القرار التنفيذي للسيد ترامب لم يمرّر عبر التصويت عليه في الكونغرس وإنما من خلال قرار تنفيذي اتخذه الرئيس مع مجموعة صغيرة ومقربة من مستشاريه.

واستطردت ميشيل في دفاعها أن قانون الهجرة يمنح الرئيس سلطة واسعة فيما يخص الهجرة مستندة إلى الفقرة الثانية من الدستور آنفة الذكر، قائلة «عندما يجد الرئيس أن دخول أي غريب أو غرباء إلى الولايات المتحدة يشكل خطراً على مصالح البلاد، يستطيع الرئيس إعلان منع دخول هؤلاء لفترة معينة طالما استوجبت الضرورة».

وهنا نسيت وكيلة الحكومة الفيدرالية أنه بناءً على قانون الهجرة الأميركية لا يجب التمييز بين المهاجرين وطالبي الإقامة الدائمة (الجرين كارد) على أساس العرق أو الدين أو الجنسية وحتى مكان الولادة.

وهو ما خلق حالة جدل قانوني حول مشروعية قرار ترامب التنفيذي. وهذا ما شدّد عليه أستاذ القانون الدستوري في جامعة هارفرد لورنس ترايب، حين قال إن الحكومة والتي هي طرف في هذا الخلاف القانوني والدستوري قامت بإلغاء تأشيرات دخول ما بين 60-100 ألف تأشيرة دخول للولايات المتحدة. وهذا فيه تعدٍ واضح على قرارات القضاة الذين طالبوا بوقف مؤقت لقرار الرئيس.

هل المنع على أساس ديني

محامون في ولاية واشنطن قالوا إن القرار التنفيذي الذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يخرق التعديل الأول في الدستور الأميركي بعدم التمييز على أساس الدين والمعتقد، وهو ما وضحه القاضي جيمس روبرت في مذكرته للمحكمة «الرئيس ترامب ومستشاروه كانوا واضحين من خلال القرار تفضيلهم المهاجرين المسيحيين على المهاجرين المسلمين».

إدارة ترامب طالبت المحكمة برفض القضية بناء على التمييز الديني، بالرغم من صراحة قراره التنفيذي بتفضيل المهاجرين من أصحاب الديانة المسيحية.

وفي تصريحات صحفية لنائب الرئيس مايك بينس أكد أن المنع ليس له علاقة بالدين، ولكن صعوبة الحصول على المعلومات الأمنية حول المتقدمين للحصول على تأشيرات أو إقامات دائمة بسبب صعوبة الأوضاع الأمنية في هذه البلاد المأزومة بالإرهاب، وحتى حصول ذلك سيبقى المنع.

في إشارة لاستمرار المنع لأكثر من تسعين يوماً. وكان رئيس مجلس النواب الجمهوري بول راين في مقابلة تلفزيونية رفض أن يكون منع دخول مواطني الدول السبع مبنياً على التمييز الديني. وقال «إنه ليس منعاً دينياً وهو بالتأكيد ليس اختباراً للمسلمين، ولو كان كذلك لعارضته أنا شخصيا».

وأضاف راين أن القرار اتخذ على عجل وأنه كان من الممكن تجنب كل هذا اللغط حول القرار لو تم العمل على القرار بتروّ أكثر ومن خلال آليات أفضل، في انتقاد غير مباشر لآلية اتخاذ القرار من قبل ترامب ومستشاريه.

وأكد راين أن لدى مجلسي النواب والشيوخ معلومات مؤكدة أن داعش تسعى للوصول إلى الولايات المتحدة من خلال اللاجئين، وأنه عندما تم سؤال وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي إن كان بإمكانهم تحييد الإرهابيين من بين المهاجرين أجابوا بالنفي. مؤكداً أنه يجب إيقاف العمل ببرنامج اللاجئين حتى تتوفر آلية أفضل لتحديد من هو الإرهابي ومن هو اللاجئ.

 

مسؤولون سابقون على خط الأزمة

مجموعة من الشخصيات الديمقراطية الأميركية، في طليعتها وزيرا الخارجية السابقان جون كيري ومادلين أولبرايت، دخلت على خط الأزمة الناجمة عن قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ودعت هذه المجموعة محاكم الاستئناف الفيدرالية إلى الاستمرار في تعليق تطبيق مرسوم الرئيس ترامب حول الهجرة، مؤكدة أنه يضر بالأمن القومي. ورأى الديمقراطيون، في مذكرة رُفعت إلى محكمة الاستئناف بالدائرة التاسعة ومقرها في سان فرانسيسكو، أن المرسوم الذي «صُمم وطُبّق وشُرح بشكل سيئ» يضر بالأمن القومي الأميركي.

رفض

ورفضت محكمة الاستئناف الفيدرالية في سان فرانسيسكو استئنافاً قدمته إدارة ترامب ضد قرار تعليق تطبيق المرسوم، وقد تلقت العديد من المذكرات والوثائق.

وتشمل مجموعة الديمقراطيين الموقعين على المذكرة، أيضاً، العديد من المسؤولين في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما؛ مثل مستشارته السابقة للأمن القومي سوزان رايس، والمدير السابق للـ«سي آي إيه» ليون بانيتا، ووزيرة الأمن الداخلي السابقة جانيت نابوليتانو.

وثيقة

وجاء في الوثيقة: «إننا نعتبر أن من شأن هذا المرسوم في نهاية المطاف أن يضر بالأمن القومي الأميركي بدلاً من أن يعزز أمننا»، مؤكدة أن «معاودة تنفيذ هذا المرسوم ستلحق ضرراً كبيراً بحياة أبرياء وستضر بالقيم الأميركية الجوهرية».

ولفتت المذكرة، بصورة خصوصاً، إلى أن المرسوم قد يعرض للخطر حياة الجنود الأميركيين المنتشرين على الأرض ويُحدث خللاً بالتعاون في مكافحة الإرهاب، كما «سيغذي دعاية تنظيم «داعش» الجهادي الذي يؤكد أن الولايات المتحدة في حرب ضد الإسلام».

وجاء في الإفادة المكتوبة، انهم جميعاً يتفقون أن الولايات المتحدة الأميركية تتعرض لتهديدات من منظمات إرهابية وأنه يجب على أميركا اتخاذ كل الخطوات المطلوبة لمحاربتها، بما فيها منع المشتبه بهم. وأنهم يعتبرون القرار التنفيذي يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة، بدلاً من تحقيق الأمن كما وعد القرار.

وأضاف الموقعون أنه بحسب خبرتهم المهنية السابقة في الإدارات السابقة هذا القرار أنه لا يمكن تبرير اتخاذ القرار على أساس الأمن القومي أو السياسة الخارجية. وأضاف الموقعون أن هذا القرار له توابع خطيرة على الأمن القومي وسياسات البلاد الخارجية على المدى البعيد.

تعبئة

وأكد الموقعون أن القرار يشكل ذخيرة تعبوية لتنظيم «داعش» في العراق والشام، من منطلق إن القرار يوحي أن الولايات المتحدة الأميركية في حرب مع الدين الإسلامي.

من جهته، انتقد ترامب قرار القاضي الفيدرالي وكتب على تويتر، الأحد، قائلاً: «لا يسعني أن أصدق كيف يمكن لقاضٍ أن يعرّض بلدنا لمثل هذا الخطر. إذا حصل شيء، فاللوم يقع عليه وعلى النظام القضائي. الناس يتدفقون. هذا مؤسف»، من غير أن يقدم أي دليل يدعم تأكيده أن إرهابيين يتسللون إلى البلاد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات